وصل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة رسمية جديدة، التقى خلالها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في محطة تأتي في ظل مرحلة إقليمية شديدة الحساسية تتداخل فيها الملفات الأمنية والعسكرية مع الاقتصاد وإعادة الإعمار.
وتكتسب الزيارة أهمية إضافية لكونها تأتي بالتزامن مع تصاعد التطورات في اليمن، وعودة الحديث عن ترتيبات دفاعية وأمنية إقليمية، إلى جانب استمرار التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل ولبنان.
وبينما تمثل العلاقات الاقتصادية وإعادة إعمار سوريا محوراً أساسياً في التعاون بين الرياض ودمشق، فإن توقيت الزيارة يطرح سؤالاً أوسع: هل بدأت العلاقة السورية السعودية تنتقل من التعاون السياسي والاقتصادي إلى مستوى أكثر عمقاً من التنسيق الأمني والاستراتيجي؟
أعلنت الرئاسة السورية أن المباحثات بين الشرع وبن سلمان تناولت تطوير العلاقات الثنائية والمصالح المشتركة، إضافة إلى المستجدات الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك.
لكن قراءة توقيت الزيارة تشير إلى أن الملفات التي تواجه المنطقة لم تعد تسمح بفصل الاقتصاد عن الأمن.
فالسعودية تواجه تحديات مرتبطة بالوضع في اليمن، في حين تحاول سوريا الجديدة إعادة تثبيت موقعها الإقليمي بعد سنوات طويلة من الحرب والصراع والتدخلات الخارجية. وبين البلدين تتقاطع مجموعة من الملفات التي تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، من أمن الحدود إلى النفوذ الإيراني والتطورات في العراق ولبنان، وصولاً إلى العلاقة مع إسرائيل.
ولهذا، فإن زيارة الشرع قد تكون فرصة لبحث شكل جديد من الشراكة بين دمشق والرياض، لا يقتصر على الاستثمارات وإعادة الإعمار.
اليمن يفرض نفسه على الحسابات السعودية
يُعد الملف اليمني واحداً من أكثر الملفات الأمنية حساسية بالنسبة إلى الرياض، خصوصاً مع استمرار التوترات العسكرية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يأتي الحديث عن الخبرات التي راكمتها القيادة السورية الجديدة خلال سنوات الصراع مع الجماعات والميليشيات المرتبطة بإيران، باعتبارها أحد العوامل التي يمكن أن تجعل دمشق طرفاً مهماً في النقاشات الأمنية الإقليمية.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن السعودية تبحث عن دور عسكري سوري في اليمن.
الأقرب أن أي تعاون محتمل يمكن أن يأخذ أشكالاً أكثر مرونة، مثل تبادل المعلومات والخبرات، والتنسيق الأمني، ومناقشة طبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة، خصوصاً أن سوريا تحتل موقعاً جغرافياً مهماً يصل بين العراق ولبنان والبحر المتوسط.
وهذا الموقع يمنح دمشق أهمية تتجاوز حدودها، خصوصاً في ظل إعادة تشكيل شبكة العلاقات والتحالفات في الشرق الأوسط.
هل تقترب دمشق من “حلف مكة”؟
أحد أبرز الأسئلة التي تفرض نفسها مع زيارة الشرع إلى الرياض يتعلق بمستقبل الترتيبات الأمنية التي تقودها السعودية.
ومع تفعيل آليات للردع والدفاع الجماعي في المنطقة، يبرز احتمال توسيع دائرة التنسيق السياسي والأمني مع دول عربية أخرى، وهو ما يفتح الباب أمام التساؤل عن موقع سوريا في هذه الترتيبات.
لكن دخول دمشق في أي منظومة إقليمية لن يكون بالضرورة على شكل تحالف عسكري مباشر.
فالسياق السوري الجديد يبدو أكثر تعقيداً، إذ تحتاج دمشق إلى بناء علاقات واسعة مع مختلف الأطراف، وتجنب العودة إلى سياسة المحاور التي جعلت سوريا خلال السنوات الماضية ساحة لصراعات إقليمية ودولية.
ومن هنا يمكن أن يكون النموذج الأكثر واقعية هو التنسيق السياسي والأمني دون الانضمام الكامل إلى محور عسكري.
هذا الخيار يسمح لسوريا بالحصول على دعم إقليمي في مواجهة المخاطر الأمنية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مساحة من الاستقلال في سياستها الخارجية.
إيران وحزب الله.. ملفان لا يمكن تجاهلهما
من الصعب قراءة أي تطور في العلاقات السعودية السورية بعيداً عن الملف الإيراني.
فالسعودية تنظر إلى النفوذ الإيراني في المنطقة باعتباره أحد الملفات الأمنية الرئيسية، بينما تحاول دمشق إعادة صياغة موقعها بعد مرحلة كان فيها النفوذ الإيراني لاعباً أساسياً داخل سوريا.
كما أن العلاقة مع حزب الله تظل مرتبطة بشكل مباشر بالحسابات السورية واللبنانية والإقليمية.
وقد تكون دمشق معنية أكثر من غيرها بإعادة ترتيب طبيعة العلاقة مع لبنان، خصوصاً أن استقرار الحدود السورية اللبنانية يشكل جزءاً أساسياً من أمن البلدين.
ومع ذلك، فإن أي دور سوري محتمل في الملف اللبناني لا يعني بالضرورة تدخلاً عسكرياً أو محاولة فرض ترتيبات داخلية على لبنان، بل يمكن أن يبدأ من مستوى أمني وسياسي، خصوصاً في الملفات الحدودية ومكافحة التهريب وضبط حركة الجماعات المسلحة.
إسرائيل.. هاجس مشترك ولكن بحسابات مختلفة
إلى جانب إيران واليمن، تفرض إسرائيل نفسها كعامل رئيسي في الحسابات الأمنية الجديدة.
فدمشق تواجه تحديات مباشرة مرتبطة بالتحركات والعمليات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بينما تنظر الرياض إلى التصعيد الإقليمي من زاوية أوسع ترتبط بأمن المنطقة ومستقبل التوازنات فيها.
وهنا يمكن أن تلتقي المصالح السورية والسعودية، حتى وإن اختلفت طبيعة التحديات التي تواجهها كل دولة.
سوريا تحتاج إلى بيئة إقليمية تساعدها على تثبيت أمنها وسيادتها، والسعودية تسعى إلى بناء منظومة إقليمية أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات المتسارعة.
لذلك، فإن أي تقارب أمني بين دمشق والرياض قد يكون جزءاً من محاولة أوسع لإعادة صياغة التوازنات في المنطقة.
الاقتصاد وإعادة الإعمار.. الجانب الآخر من الزيارة
رغم الحضور القوي للملفات الأمنية، لا يمكن إغفال الجانب الاقتصادي من العلاقة بين سوريا والسعودية.
فسوريا تحتاج إلى استثمارات ضخمة لإعادة بناء البنية التحتية وتنشيط الاقتصاد، في حين تمتلك السعودية القدرة المالية والاستثمارية التي تجعلها أحد أبرز الشركاء المحتملين في مرحلة إعادة الإعمار.
ومن الطبيعي أن تكون قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل والإسكان والخدمات ضمن الاهتمامات المشتركة بين البلدين.
لكن نجاح المسار الاقتصادي يحتاج إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
وهذا يعني أن الأمن والاقتصاد أصبحا مسارين مترابطين: لا يمكن جذب الاستثمارات الكبرى من دون استقرار، ولا يمكن تحقيق الاستقرار من دون اقتصاد قادر على التعافي.
ماذا تريد الرياض من دمشق؟
السؤال لا يتعلق فقط بما يمكن أن تحصل عليه سوريا من السعودية، وإنما أيضاً بما يمكن أن تقدمه دمشق للرياض.
السعودية قد ترى في سوريا الجديدة فرصة لإعادة بناء دولة عربية ذات موقع جغرافي استراتيجي، بعد سنوات كان فيها القرار السوري مرتبطاً بدرجة كبيرة بصراعات ونفوذ قوى خارجية.
وفي المقابل، تستطيع دمشق تقديم قيمة جيوسياسية مهمة بحكم موقعها وعلاقاتها وحدودها مع دول ذات تأثير مباشر في أمن المنطقة.
كما أن امتلاك القيادة السورية الجديدة خبرة واسعة في التعامل مع الجماعات المسلحة والملفات الأمنية المعقدة قد يجعلها شريكاً مهماً في تبادل المعلومات والخبرات.
لكن الرياض، في المقابل، قد تكون معنية أيضاً بأن تبقى سوريا بعيدة عن سياسة المحاور، وأن تتحول إلى دولة مستقرة تستطيع إقامة علاقات متوازنة مع محيطها العربي والإقليمي.
دمشق أمام معادلة صعبة
تواجه القيادة السورية الجديدة معادلة دقيقة.
فمن جهة، تحتاج دمشق إلى دعم عربي واستثمارات وعلاقات سياسية قوية، ومن جهة أخرى لا تريد أن تنتقل من محور إقليمي إلى محور آخر.
ولهذا تبدو سياسة تنويع العلاقات الخيار الأكثر واقعية.
يمكن لسوريا أن تطور تعاونها مع السعودية وتركيا ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات متوازنة مع بقية الأطراف الإقليمية، بما يضمن لها مساحة أكبر من الحركة السياسية.
هذه السياسة ستكون أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا استمرت المنطقة في الانتقال من أزمة إلى أخرى.
زيارة تتجاوز البروتوكول
في النهاية، تبدو زيارة أحمد الشرع إلى الرياض أكبر من مجرد لقاء جديد بين مسؤولين سوريين وسعوديين.
فالتوقيت يضعها ضمن مرحلة يعاد فيها رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة، بينما تحاول سوريا تثبيت موقعها الجديد، وتسعى السعودية إلى تعزيز قدرتها على حماية أمنها ومصالحها وسط تصاعد الأزمات الإقليمية.
ومن اليمن إلى إيران، ومن لبنان إلى إسرائيل، تتقاطع مجموعة من الملفات التي تجعل التنسيق بين دمشق والرياض أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وقد لا تكشف الزيارة وحدها عن ترتيبات جديدة، لكن المؤشرات المحيطة بها تفتح الباب أمام مرحلة يمكن أن تصبح فيها العلاقة السورية السعودية أكثر عمقاً، بحيث يجتمع الاستثمار وإعادة الإعمار مع التنسيق السياسي والأمني.
ويبقى السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة: هل تتحول العلاقة بين دمشق والرياض من شراكة في إعادة إعمار سوريا إلى شراكة أوسع في رسم مستقبل المنطقة؟










