في زمنٍ كان يُفترض أن يكون فيه الفضاء الرقمي مساحةً للحرية والتعبير، تحوّل بالنسبة لكثير من النساء السوريات إلى ساحةٍ موازية للعنف، لا تقل قسوة عن واقعٍ مثقلٍ أصلاً بالنزاع والتحديات. دراسة حديثة صادرة عن DW Akademie بعنوان “منصات أشد أماناً ومشاركة أقوى: خريطة العنف الجنساني عبر الإنترنت في سوريا“ تكشف بوضوح هذا الوجه الخفي من المعاناة، حيث تُستهدف النساء ليس فقط بسبب آرائهن، بل بسبب مجرد حضورهن.
ليست القضية مجرد تعليقات مسيئة أو مضايقات عابرة، بل نمط ممنهج من العنف الرقمي، يستهدف كل امرأة تجرؤ على الظهور في الفضاء العام: صحفية، ناشطة، صانعة محتوى، أو حتى امرأة تعبّر عن رأيها ببساطة. تتحول هذه النساء إلى أهداف لحملات تشهير، وابتزاز، وتهديدات تُدار أحياناً بشكل منسق داخل مجموعات مغلقة، قبل أن تنفجر في العلن بشكلٍ مضاعف التأثير.
هذا العنف لا يُمارس فقط لإيذاء المرأة، بل لإقصائها. الهدف الأعمق هو دفعها إلى الصمت، إلى التراجع، إلى الانسحاب الكامل من المشهد. وهنا تصبح المعادلة قاسية: إما أن تتحمل الإهانة يومياً، أو تختار الاختفاء.
ما يزيد المشهد تعقيداً هو تلك السرديات الاجتماعية التي تلوم الضحية بدلاً من حمايتها. فالمرأة التي تتعرض للعنف الرقمي لا تواجه فقط المعتدين، بل تواجه أيضاً نظرة مجتمع قد يشكك في سلوكها أو يحمّلها مسؤولية ما حدث.
الخوف من الفضيحة، من الانتقام، من فقدان العمل أو المكانة الاجتماعية، يجعل كثيرات يلتزمن الصمت. وهكذا، لا يُوثّق العنف، ولا يُحاسب مرتكبوه، وتستمر الحلقة في الدوران.
“لا تولد المرأة ضعيفة، بل يُفرض عليها الضعف.”
— سيمون دي بوفوار
عنف رقمي… امتداد لعنف أعمق
العنف عبر الإنترنت في سوريا ليس ظاهرة منفصلة، بل هو امتداد طبيعي لواقعٍ أوسع من العنف القائم على النوع الاجتماعي. في ظل سنوات طويلة من النزاع، تآكلت منظومات الحماية، وازدادت هشاشة النساء والفتيات، خاصة مع النزوح والفقر وانهيار البنى المؤسسية.
تشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن النساء السوريات يواجهن أشكالاً متعددة من العنف: الجسدي، النفسي، الاقتصادي، والجنسي. واليوم، يُضاف إلى هذه القائمة العنف الرقمي كوجه جديد، لكنه لا يقل خطورة، بل قد يكون أكثر خفاءً واستمرارية.
أمام هذا الواقع، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات لاتخاذ قرارات مؤلمة: حذف حساباتهن، تقليل ظهورهن، أو الامتناع عن التعبير بحرية. بعضهن ينسحبن كلياً من الفضاء العام، ليس لأنهن لا يملكن ما يقلنه، بل لأن الكلفة أصبحت أعلى من القدرة على التحمل.
وهنا نخسر جميعاً. نخسر أصواتاً نسائية كان يمكن أن تساهم في تشكيل وعي المجتمع، في نقل الحقيقة، في الدفاع عن القضايا العادلة.
“أقوى سلاح يمكن أن تمتلكه المرأة هو صوتها.”
— ميشيل أوباما
ما الذي يمكن أن يتغير؟
لا تكتفي الدراسة بتشخيص المشكلة، بل تقدم خريطة طريق نحو فضاء رقمي أكثر أماناً وعدالة. من بين أبرز التوصيات:
- تطوير سياسات واضحة داخل المؤسسات الإعلامية لحماية الصحفيات والمصادر النسائية
- تعزيز أدوات الأمان الرقمي، وتقديم دعم نفسي متخصص للناجيات
- بناء تحالفات بين المجتمع المدني لتوثيق الانتهاكات ومواجهتها
- الضغط على المنصات الرقمية لتبني سياسات أكثر حساسية للسياق المحلي
لكن الأهم من كل ذلك، هو تغيير الثقافة السائدة: الانتقال من لوم الضحية إلى مساءلة المعتدي.
القضية ليست تقنية فقط، ولا قانونية فحسب، بل هي قضية وعي وعدالة. الفضاء الرقمي يجب أن يكون امتداداً لحق المرأة في الوجود، لا أداة لإقصائها.
المرأة السورية لم تكن يوماً صامتة، لكنها اليوم تُجبر على الصمت بوسائل جديدة. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في كسر هذه الحلقة، عبر التضامن، والتشريعات، والعمل الإعلامي المسؤول.
لأن كل صوت نسائي يُخنق، هو خسارة لحكاية… ولحقيقة… ولمستقبلٍ أكثر توازناً.











