يُعدّ الشركس أحد المكونات التاريخية والاجتماعية البارزة في سوريا، إذ استقروا فيها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد تهجيرهم القسري من موطنهم الأصلي في منطقة القوقاز خلال الحرب الروسية – القوقازية. وعلى مدار عقود، حافظت المجتمعات الشركسية في سوريا على لغتها وعاداتها وتراثها الثقافي، رغم تحديات الاندماج والشتات. وفي كل عام، يحيي الشركس حول العالم ما يُعرف بـ”يوم الحزن الشركسي” في 21 أيار، وهو مناسبة تستذكر نهاية الحرب عام 1864 وما أعقبها من عمليات قتل وتهجير جماعي بحق مئات آلاف الشركس على يد الإمبراطورية الروسية، في حدث يعتبره الشركس إحدى أكبر المآسي في تاريخ شعبهم وركيزة أساسية في ذاكرتهم الجماعية وهويتهم الثقافية.
في مشهد حمل أبعاداً تاريخية وثقافية لافتة، أحيا أبناء الجالية الشركسية في العاصمة السورية دمشق “يوم الحزن الشركسي” للمرة الثانية بشكل علني وواسع، بعد سنوات طويلة من القيود التي فرضت على الفعاليات ذات الطابع القومي والثقافي خلال العقود الماضية.
وجاءت الفعالية التي أقيمت قرب ساحة الأمويين لتستعيد واحدة من أكثر المحطات إيلاماً في ذاكرة الشعب الشركسي، إذ تحيي ذكرى ضحايا الحرب الروسية – القوقازية وعمليات التهجير الجماعي التي تعرض لها الشركس في القرن التاسع عشر.
استذكار مأساة تاريخية عمرها أكثر من 160 عاماً
يصادف 21 أيار من كل عام ذكرى انتهاء الحرب الطويلة التي دارت بين روسيا القيصرية وشعوب شمال القوقاز، واستمرت لأكثر من مئة عام قبل أن تنتهي عام 1864 بسيطرة القوات الروسية على المنطقة وبدء موجات تهجير واسعة باتجاه أراضي الدولة العثمانية.
وتُعد تلك الأحداث من أكثر الفصول دموية في تاريخ القوقاز، بعدما فقد مئات آلاف الشركس أراضيهم الأصلية واضطروا إلى النزوح نحو مناطق متفرقة في الشرق الأوسط والأناضول.
شهدت الفعالية حضوراً واسعاً لأبناء المجتمع الشركسي من دمشق ومحافظات سورية مختلفة، حيث رفع المشاركون الأعلام الشركسية، ورددوا أغانٍ تراثية وشعارات تعبّر عن التمسك بالهوية الثقافية والذاكرة الجماعية، كما وقفوا دقيقة صمت تخليداً لأرواح ضحايا الحرب والتهجير.
وأكد مشاركون أن إحياء المناسبة هذا العام يحمل دلالة خاصة، ليس فقط لأنه يستحضر مأساة تاريخية، بل لأنه يأتي بعد عقود شهدت تقييداً للفعاليات العامة المرتبطة بالهوية القومية أو التاريخية.
ورأى كثيرون أن إقامة المناسبة في موقع رمزي كـ”ساحة الأمويين”، مع رفع العلم الشركسي بشكل علني، يمثل استعادة لحق التعبير عن الذاكرة الجمعية وإشارة إلى استمرار حضور القضية الشركسية رغم مرور أكثر من قرن ونصف على أحداث التهجير.
لا يقتصر “يوم الحزن الشركسي” على استحضار الماضي فحسب، بل يرتبط أيضاً بمحاولات الحفاظ على اللغة والثقافة والتراث في مجتمعات الشتات.
ويواجه الشركس في دول الانتشار تحديات متزايدة تتعلق باندماج الأجيال الجديدة وتراجع استخدام اللغة الأم، ما يجعل المناسبات التاريخية والثقافية فرصة مهمة لتعزيز الارتباط بالجذور والهوية الأصلية.
وفي دمشق، بدا إحياء المناسبة هذا العام أقرب إلى مساحة رمزية لإعادة التعبير المدني عن الذاكرة الخاصة للمجتمعات المحلية، وسط شعور عام بأن القدرة على إحياء المناسبات التاريخية علناً تمثل تحولاً لافتاً في المشهد المجتمعي السوري.
حرب امتدت قرناً كاملاً وانتهت بالتهجير
تعود جذور “يوم الحزن الشركسي” إلى الحرب الروسية – القوقازية التي استمرت بين عامي 1763 و1864، وتعد واحدة من أطول النزاعات العسكرية في المنطقة.
وانتهت الحرب في 21 أيار 1864 بعد معركة فاصلة في منطقة وادي كبادا قرب مدينة سوتشي على البحر الأسود، حيث تمكنت القوات الروسية من إسقاط آخر معاقل المقاومة الشركسية.
وبعد ذلك، بدأت سياسة تغيير ديمغرافي واسعة شملت ترحيل مئات آلاف الشركس من موطنهم التاريخي في مناطق مثل سوتشي وتوابسي وسخومي باتجاه أراضي الدولة العثمانية.
وتشير تقديرات تاريخية متداولة إلى أن مئات آلاف الأشخاص لقوا حتفهم خلال عمليات التهجير نتيجة المجاعة والأمراض وظروف النقل القاسية، فيما توزع الناجون لاحقاً بين الأناضول وبلاد الشام ومناطق أخرى.
من القوقاز إلى سوريا.. حضور تاريخي ممتد
استقر قسم من الشركس المهجرين في سوريا منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأسهموا في الحياة الاجتماعية والعسكرية والثقافية، وتوزعوا في مناطق عدة أبرزها دمشق والقنيطرة وريف حمص وحلب.
كما ساهموا في تأسيس أحياء وقرى حافظت على جانب من الخصوصية الثقافية الشركسية، بينما تشير تقديرات محلية إلى أن عدد الشركس في سوريا يبلغ نحو 35 ألف شخص، في حين توجد تجمعات أكبر في تركيا والأردن والعراق، إضافة إلى المجتمعات الشركسية التي ما تزال تعيش داخل جمهوريات شمال القوقاز التابعة لروسيا.
من هم الشركس؟
الشركس هم أحد الشعوب الأصلية لمنطقة القوقاز، وتاريخياً امتدت مناطقهم بين البحر الأسود وبحر قزوين، ضمن مساحة شهدت عبر القرون صراعات بين قوى إقليمية ودولية متعددة.
ويتكون المجتمع الشركسي من مجموعات رئيسية أبرزها الأديغ والقبارد، وينتمي معظم أفراده إلى الإسلام، مع احتفاظهم بجانب من العادات والتقاليد الاجتماعية الموروثة.
وتقع غالبية الأراضي الشركسية التاريخية اليوم ضمن جمهوريات روسية في شمال القوقاز، من أبرزها أديغيا وقراشاي شركيسيا وقاباردينو بلقاريا، حيث ما يزال قسم من الشعب الشركسي يعيش حتى اليوم محافظاً على جزء من هويته الثقافية واللغوية.











