في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وسياسية مهمة، وافق مجلس المديرين التنفيذيين للبنك الدولي في الخامس من آذار/مارس 2026 على تقديم منحة بقيمة 20 مليون دولار لسوريا عبر المؤسسة الدولية للتنمية (IDA)، بهدف دعم إصلاحات الحوكمة في إدارة المالية العامة. وتأتي هذه المبادرة في سياق استئناف التعاون بين دمشق ومجموعة البنك الدولي بعد سنوات طويلة من الجمود، حيث سبقتها منحة طارئة لقطاع الكهرباء بلغت 146 مليون دولار في حزيران/يونيو 2025. وعلى الرغم من أن قيمة المنحة الجديدة تبدو محدودة مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، فإن أهميتها تكمن في طبيعتها الإصلاحية التي تركز على إعادة بناء منظومة إدارة المال العام قبل الشروع في برامج إعادة الإعمار الواسعة.
تكشف المؤشرات المالية السورية عن تدهور هيكلي كبير تراكم على مدار أكثر من عقد من الصراع. فالإيرادات الحكومية التي كانت تقارب 20% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2011، تراجعت تدريجياً حتى هبطت إلى أقل من 5% في عام 2026. ويعود هذا الانخفاض الحاد إلى مجموعة عوامل متداخلة، من بينها تراجع النشاط الاقتصادي، وتقلص القاعدة الضريبية، إضافة إلى التحولات الكبيرة في أولويات الإنفاق الحكومي.
وفي الوقت نفسه، أدى تضخم الإنفاق الأمني خلال سنوات الحرب إلى تآكل الإنفاق الاستثماري والرأسمالي الذي يعد عنصرًا أساسيًا في تحفيز النمو الاقتصادي. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن تكلفة إعادة إعمار سوريا قد تصل إلى ما لا يقل عن 216 مليار دولار، وهو رقم يعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الحالي المقدر. هذه الفجوة الهائلة بين الموارد المتاحة والاحتياجات الفعلية تعكس حقيقة جوهرية مفادها أن التحدي لا يكمن فقط في نقص التمويل الدولي، بل في غياب مؤسسات مالية قوية وقادرة على إدارة الموارد بكفاءة وشفافية.
انطلاقاً من هذا التشخيص، تركز منحة البنك الدولي الجديدة على دعم بنية الحوكمة المالية في سوريا. ويتضمن المشروع ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تعزيز آليات الرقابة على إصلاحات المالية العامة، وتطوير قدرات المشتريات الحكومية، إضافة إلى إنشاء نظام معلومات مالي حكومي متكامل (SIFMIS) يهدف إلى تحسين إدارة البيانات المالية وتسهيل متابعة الإنفاق العام.
كما يشمل المشروع تأسيس وحدة متخصصة داخل وزارة المالية لإدارة المساعدات المالية الخارجية (SEAFS)، بحيث تتولى تنسيق تدفقات التمويل الدولي وضمان استخدامها ضمن أولويات واضحة. ومن الناحية التقنية، تبدو هذه المكونات متوافقة مع المعايير الدولية الحديثة في إدارة المالية العامة، حيث تعتمد على الرقمنة وتعزيز الشفافية وتطوير نظم الرقابة المؤسسية.
غير أن هذه المقاربة تطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى ملاءمة النماذج الإصلاحية التي تقترحها المؤسسات المالية الدولية للواقع السوري. فغالباً ما تعتمد هذه المؤسسات على نماذج معيارية يتم تطبيقها في عدة دول تمر بظروف انتقالية أو ما بعد الصراع، بينما تختلف البيئات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من دولة إلى أخرى. وبالتالي، فإن نجاح هذه الإصلاحات لا يتوقف على دقتها التقنية فحسب، بل على قدرة المؤسسات السورية على تكييفها مع السياق المحلي وتحويلها إلى أدوات إصلاح حقيقية بدل أن تبقى مجرد متطلبات شكلية للجهات المانحة.
إشكالية الاشتراطات الدولية
يُضاف إلى ذلك بُعد آخر يتعلق بطبيعة العلاقة بين الدول المتلقية للمساعدات والمؤسسات المالية الدولية. فهذه المؤسسات عادةً ما تربط تقديم التمويل بسلسلة من المعايير والمؤشرات التي تُستخدم لقياس التقدم في تنفيذ الإصلاحات. وعلى الرغم من أن هذه الآلية تهدف إلى ضمان استخدام الأموال بكفاءة وتحقيق نتائج ملموسة، فإنها قد تفرض في الوقت نفسه قيودًا غير مباشرة على سياسات الدول الاقتصادية.
وفي الحالة السورية، قد يؤدي هذا النوع من الاشتراطات إلى تقليص هامش المناورة المتاح لصانع القرار المالي، خاصة في مرحلة التعافي التي تتطلب مرونة كبيرة في إدارة الموارد المحدودة وتوجيهها نحو القطاعات الأكثر إلحاحاً. ولذلك فإن التحدي يكمن في إيجاد توازن بين متطلبات الانضباط المالي التي يطالب بها المانحون، والحاجة إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية في رسم السياسات الاقتصادية الوطنية.
عقبات بنيوية أمام الإصلاح
ورغم التوقعات المتفائلة بإمكانية توسيع نطاق التعاون المالي بين سوريا والبنك الدولي مستقبلاً، خصوصاً مع الحديث عن مشاريع قد تتجاوز قيمتها مليار دولار، فإن مجموعة من التحديات البنيوية ما تزال قائمة.
أول هذه التحديات يتمثل في نزيف الكفاءات البشرية داخل المؤسسات الحكومية نتيجة سنوات الحرب والهجرة، الأمر الذي يضعف قدرة الجهاز الإداري على تنفيذ برامج الإصلاح المعقدة. فإدارة المالية العامة الحديثة تتطلب خبرات تقنية وإدارية متقدمة، وهي موارد بشرية أصبحت محدودة في العديد من الوزارات السورية.
أما التحدي الثاني فيتعلق باستمرار تأثير العقوبات الاقتصادية، التي لا تزال تعيق اندماج سوريا الكامل في النظام المالي الدولي. وحتى في حال تخفيف بعض القيود، فإن استعادة العلاقات المصرفية الدولية وتسهيل حركة الأموال قد يستغرق وقتًا طويلاً بسبب اعتبارات قانونية ومصرفية معقدة.
ويبرز كذلك عامل الاقتصاد غير الرسمي الذي توسع بشكل كبير خلال سنوات الصراع. فقد نشأت شبكات اقتصادية موازية خارج الإطار الرسمي، وأصبحت تمثل مصدر دخل لشرائح واسعة من المجتمع، ما يجعل إدماجها في الاقتصاد النظامي عملية حساسة قد تواجه مقاومة من بعض القوى الاقتصادية المستفيدة من الوضع القائم.
بين الأمل والواقع
في ضوء هذه المعطيات، يمكن النظر إلى منحة البنك الدولي باعتبارها خطوة إيجابية لكنها محدودة التأثير بمفردها. فهي تمثل بداية مسار طويل لإعادة بناء المؤسسات المالية السورية، لكنها لا تشكل حلًا سحرياً لمشكلات الاقتصاد المتراكمة.
فالنجاح الحقيقي لهذه المبادرة لن يقاس بحجم التمويل المقدم، بل بمدى قدرة الحكومة السورية الجديدة على تحويل الإصلاحات المقترحة إلى مشروع وطني يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. ويتطلب ذلك ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام، إضافة إلى تطوير عقد اجتماعي مالي جديد يقوم على التوازن بين حقوق المواطنين والتزامات الدولة.
وعندها فقط يمكن لهذه المنحة أن تتحول من مجرد أداة دعم خارجي إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو إصلاح اقتصادي مستدام يعيد تدريجياً بناء الاقتصاد السوري على أسس أكثر صلابة وعدالة.












