بعد العملية العسكرية التي أطلقتها الحكومة السورية ضدّ قوات سوريا الديمقراطية قسد في 17 يناير 2026، استعادت الدولة السيطرة على معظم حقول النفط والغاز في الشرق السوري، باستثناء حقول الرميلان التي يُنتظر أن تُحسم وضعيتها وفق تفاهمات سياسية لاحقة.
هذه الخطوة لا تمثل مجرد إنجاز عسكري أو إداري، بل تُعدّ نقطة انعطاف مفصلية في مسار الاقتصاد السوري، الذي أنهكته سنوات الحرب والعقوبات والانقسام الجغرافي لموارده السيادية.
من “الربيع الاقتصادي” إلى اختلال المعادلة الطاقية
عقب الاستقلال، عرفت سوريا مرحلة ازدهار اقتصادي نسبي، ارتكزت على الصناعة الوطنية في مجالات الغزل والنسيج والإسمنت والسكر. لكن مع اكتشاف النفط وتوسع إنتاجه، لم تُصَغ رؤية إستراتيجية شاملة لتحويل الطاقة إلى محرّك تنموي مستدام.
مع وصول حزب البعث إلى السلطة عام 1963، دخل قطاع الطاقة في دائرة التجاذبات الأيديولوجية والتحالفات السياسية. فالتوتر مع نظام صدام حسين أدى إلى إغلاق خط أنابيب كركوك–بانياس، بينما أثّر التموضع الإقليمي لسوريا على فرص مشاريع غازية إستراتيجية كان يمكن أن تغيّر موقعها في خريطة الطاقة الإقليمية.
قبل عام 2011، بلغ إنتاج سوريا النفطي نحو 400 ألف برميل يومياً، لكن الحرب أدت إلى انهيار شبه كامل في الطاقة الإنتاجية، حيث تراجع الإنتاج إلى أقل من 30 ألف برميل يومياً خلال السنوات الأخيرة.
خلال سنوات الثورة، تناوبت السيطرة على الحقول بين فصائل مختلفة، من بينها تنظيم داعش ثم قوات سوريا الديمقراطية، فيما جرى استخراج النفط بوسائل بدائية أضرّت بالمكامن وخفّضت كفاءة الآبار، ما تسبب بتآكل البنية التحتية وارتفاع كلفة إعادة التأهيل.
أولاً: إعادة هيكلة قطاع النفط والغاز
خريطة الحقول النفطية في سوريا

يتوزع الإنتاج الحالي على نحو 78 حقلاً في المحافظات الشرقية والوسطى:
دير الزور: 41 حقلاً
الرقة وحمص: 11 حقلاً لكل منهما
الحسكة: 10 حقول
حماة: 4 حقول
حلب: حقل واحد
تُعدّ حقول الرميلان الأكبر من حيث عدد الآبار (أكثر من 1200 بئر)، فيما يأتي حقل العمر في المرتبة التالية بإنتاج يومي يُقدّر حالياً بنحو 25 ألف برميل.
التحدي الأول: البنية التحتية
قبل الحرب، كانت سوريا تمتلك مصفاتين رئيسيتين بطاقة إجمالية تبلغ 240 ألف برميل يومياً، إلا أن سنوات الإهمال والدمار قلّصت قدرتهما التشغيلية بشكل كبير.
إعادة الهيكلة تتطلب:
ترميم رؤوس الآبار ومحطات الضخ
تحديث خطوط النقل
تطوير المصافي لخفض الفاقد التقني
توجيه العوائد الأولية إلى الاستثمار في القطاع نفسه
أي أن المرحلة الإسعافية يجب أن تسبق الطموحات التوسعية.
ثانياً: الاستثمار النفطي بين التحدي والفرصة
واقع الإنتاج وتفاوت الطاقات
حقل العمر كان ينتج في التسعينيات نحو 80 ألف برميل يومياً، قبل أن يتراجع إلى أقل من 20 ألفاً.
أما حقل كونيكو الغازي فكان ينتج 13 مليون متر مكعب يومياً وهو متوقف حالياً.
في المقابل، لا تزال حقول الرميلان تحتفظ بقدرة إنتاجية أفضل نسبياً، إذ كانت تنتج 170 ألف برميل يومياً قبل الحرب وتنتج حالياً أقل من 100 ألف.
خريطة الغاز في سوريا
إنتاج الغاز: فجوة بنسبة 75%
بلغ إنتاج الغاز السوري عام 2013 نحو 28 مليون متر مكعب يومياً، بينما لا يتجاوز اليوم 7.6 ملايين متر مكعب.
لكن ثمة مؤشرات إيجابية:
مذكرات تفاهم مع شركات دولية كبرى
اتفاقيات أولية مع شركات عربية مثل “دانا غاز”
حفر آبار جديدة في ريف دمشق
تطبيق تقنيات الاستخلاص المعزز في الرميلان (رفعت الإنتاج بنسبة تصل إلى 15%)
عامل الزمن
إعادة بناء القدرة الاستثمارية تتطلب بين سنة وسنتين لتأمين المعدات والدراسات الفنية. لكن رفع العقوبات وتحسن البيئة السياسية قد يخفضان كلفة الإنتاج التي كانت تصل إلى 35 دولاراً للبرميل.
ثالثاً: كيف سينعكس ذلك على الاقتصاد السوري؟
1. تقليص فاتورة الاستيراد
تستورد سوريا نحو 141 ألف برميل يومياً، ما يشكل ضغطاً هائلاً على الموازنة. استعادة الإنتاج المحلي ستخفف الاعتماد على الخارج وتقلل استنزاف القطع الأجنبي.
2. مكافحة التضخم
شح المحروقات رفع تكاليف النقل والصناعة والزراعة. زيادة الإنتاج المحلي تعني:
انخفاض تكاليف الإنتاج
استقرار الأسعار
تحسن القوة الشرائية
3. إعادة تفعيل السياسة النقدية
عودة الموارد النفطية إلى إدارة الدولة تعيد لمصرف سوريا المركزي أدواته في إدارة النقد والقطع الأجنبي، وتحدّ من الاقتصاد الموازي الذي تفاقم خلال سنوات الانقسام.
4. تحسين الميزان التجاري
زيادة الإنتاج قد تفتح الباب أمام التصدير الجزئي مستقبلاً، ما يعزز الاحتياطي النقدي ويموّل استيراد السلع الأساسية.
البعد الإقليمي: سوريا لاعب طاقة محتمل من جديد
إعادة تشغيل البنية التحتية قد تفتح المجال أمام مشاريع ربط مع العراق وتركيا، كما أن الطلب الإقليمي المتزايد على الغاز يمنح سوريا فرصة لإعادة التموضع في معادلة الطاقة شرق المتوسط.
فإذا أُدير الملف بعيداً عن الحسابات الأيديولوجية وبعقلية اقتصادية بحتة، يمكن أن يتحول قطاع الطاقة من عامل صراع إلى رافعة استقرار.
الخلاصة: بين الإمكانات والاختبار الحقيقي
استعادة السيطرة على حقول النفط والغاز ليست نهاية الطريق، بل بدايته.
الاختبار الحقيقي يكمن في:
توجيه العوائد نحو إعادة التأهيل لا الإنفاق الاستهلاكي
بناء شراكات استثمارية شفافة
ضمان توزيع عادل للموارد
تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة تنمية مستدامة
إذا نجحت الحكومة السورية الجديدة في ذلك، فقد يصبح عام 2026 نقطة الانطلاق الفعلية لتعافي الاقتصاد السوري. أما إذا غابت الرؤية المؤسسية، فستظل الثروة النفطية فرصة مؤجلة في بلد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استقرار اقتصادي طويل الأمد.












