لم يكن تفجير الجسور على نهر الفرات حدثاً عابراً في سياق العمليات العسكرية شرقي سوريا، بل كان نقطة تحوّل عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للمحافظات المطلة على النهر. فالجسور هنا ليست مجرد منشآت خدمية، بل شرايين حياة تربط بين عائلات وأسواق ومؤسسات تعليمية وصحية، وتختصر مسافات قد تتحول، في غيابها، إلى عزلة قاسية وانقسام جغرافي خطير.
اليوم، وبعد سنوات من عمليات التفجير التي طالت جسوراً حيوية في دير الزور والرقة والبوكمال، تبدو الصورة أكثر تعقيداً: حلول إسعافية سريعة أنقذت الحد الأدنى من الحركة، مقابل غياب واضح لرؤية شاملة تعيد بناء ما تهدّم وفق معايير مستدامة.
في ريف دير الزور الشرقي، شكّل جسر العشارة عقدة وصل استراتيجية بين ضفتي الفرات. بعد تفجيره، لم تتوقف الحياة فقط، بل تبدلت أنماطها:
تضاعفت مسافات التنقل.
ارتفعت كلفة نقل البضائع.
تأخرت الإمدادات الطبية والغذائية.
تعطلت مصالح مئات الطلاب والموظفين.
تحركت العشائر المحلية بإشراف وزارة الإسكان لتنفيذ ردم إسعافي للفجوات باستخدام الأتربة، في خطوة سريعة أعادت الحركة جزئياً. لم يكن الحل هندسياً متكاملاً، بل أقرب إلى “إسعاف ميداني” لجسم ينزف.
المفارقة أن الازدحام الكثيف الذي شهده الجسر بعد إعادة فتحه كشف عمق الأزمة أكثر مما أخفاها؛ فكل مركبة عابرة كانت تذكيراً بأن المنطقة تعيش على حافة بنية تحتية هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار ثقيل.
في الرقة، أدى تفجير الجسر الجديد إلى واقع أشبه بانقسام إداري غير معلن. أحياء كاملة باتت معزولة عملياً عن المراكز الخدمية الرئيسية.
أعادت وزارة النقل السورية افتتاح جسر الرقة القديم بعد صيانته فنياً، في محاولة لتخفيف الضغط، إلا أن القدرة الاستيعابية للجسر القديم لا تكفي لتغطية حجم الحركة المتزايدة، خصوصاً في أوقات الذروة.
الأثر لم يكن مرورياً فقط، بل امتد إلى:
ارتفاع أسعار السلع بسبب زيادة أجور النقل.
تأخر وصول المنتجات الزراعية.
تراجع النشاط التجاري بين ضفتي المدينة.
لجوء بعض الأهالي إلى وسائل عبور بدائية محفوفة بالمخاطر.
هنا لم يعد النهر فاصلاً جغرافياً فحسب، بل تحوّل إلى حاجز اجتماعي يعمّق التباعد بين سكان المحافظة الواحدة.
في البوكمال، تبدو المقاربة مختلفة نسبياً. فبدلاً من الاكتفاء بالردم المؤقت، يجري العمل على إنشاء جسر حديدي بديل عن الجسر الإسمنتي المدمّر.
هذا الخيار يعكس إدراكاً محلياً بأن الحلول المؤقتة قد تتحول إلى عبء طويل الأمد. ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة:
محدودية التمويل.
غياب دراسة هندسية وطنية موحدة.
الحاجة إلى معايير أمان تتحمل الحمولات الثقيلة.
إن الانتقال من الإسمنت إلى الحديد ليس مجرد تغيير في المواد، بل محاولة لإرسال رسالة مفادها أن إعادة الوصل يجب أن تكون أكثر صلابة من مرحلة الانقطاع.
الدفاع المدني بين التنسيق وحدود الصلاحيات
شارك الدفاع المدني، المعروف باسم الخوذ البيضاء، في التنسيق الطارئ مع مهندسين من وزارات مختصة لتنفيذ عمليات إسعافية سريعة.
إلا أن دوره اقتصر على المشاركة لا الإشراف الكامل، ما يعكس تعددية القرار وتشتت المرجعيات في ملف يحتاج إلى قيادة هندسية مركزية واضحة.
التحدي الأكبر لا يكمن فقط في إعادة التأهيل، بل في:
تقييم السلامة الإنشائية.
ضمان تحمل الجسور للأوزان الثقيلة.
توفير تمويل مستدام لأعمال الصيانة المستقبلية.
قراءة قانونية: متى تتحول الجسور إلى أهداف عسكرية؟
وفق مبادئ اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، تُعد المنشآت المدنية – ومنها الجسور – أعياناً محمية ما لم تُستخدم استخداماً عسكرياً مباشراً.
الجدل القانوني هنا يتمحور حول معيار “الهدف العسكري المشروع”. فإذا لم يكن الاستهداف ضرورياً ومتناسباً ومحدداً بدقة، فقد يندرج ضمن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
لكن بعيداً عن النصوص، فإن النتيجة العملية كانت واحدة:
المدنيون هم من دفعوا الثمن الأكبر.
تفجير الجسور حمل أبعاداً تتجاوز الحسابات التكتيكية:
اقتصادياً:
زيادة كلفة إعادة الإعمار.
تحميل الخزينة أعباء مالية إضافية.
تعطيل دورة الأسواق المحلية.
سياسياً:
تكريس واقع الانقسام بين الضفتين.
إرسال رسائل قوة ميدانية في لحظة انسحاب.
اجتماعياً:
توسيع الفجوة بين المجتمعات المحلية.
خلق شعور بالعقاب الجماعي لدى السكان.
الجسور هنا لم تكن مجرد منشآت، بل أدوات ضغط ورموز سيطرة.
المشكلة الحقيقية: غياب خطة وطنية معلنة
حتى اللحظة، لا توجد دراسة حكومية معلنة تحدد:
عدد الجسور المتضررة بدقة.
الكلفة الإجمالية لإعادة الإعمار.
جدولاً زمنياً واضحاً للتنفيذ.
معايير هندسية موحدة لإعادة البناء.
ما يحدث هو إدارة أزمة لا إدارة إعادة إعمار.
والخطر أن تتحول الحلول المؤقتة إلى واقع دائم، فتُبنى التنمية المقبلة على قواعد هشّة.
استمرار الحلول الإسعافية
بقاء الوضع على ما هو عليه، مع ترقيعات دورية.إعادة إعمار جزئية بتمويل محدود
مشاريع متفرقة دون رؤية موحدة.خطة شاملة لإحياء شريان الفرات
تتضمن إعادة بناء الجسور ضمن مشروع تنموي متكامل يربط النقل بالاقتصاد والزراعة والتجارة.
المسار الثالث وحده كفيل بإعادة الحياة الطبيعية إلى شرق الفرات.
خاتمة
في شرق سوريا، لا تعني إعادة بناء الجسور مجرد تسهيل حركة المرور، بل تعني:
إعادة وصل مجتمع انقسم.
استعادة الثقة بالبنية التحتية.
تأكيد أن التنمية أقوى من منطق الهدم.
ما جرى على ضفاف الفرات كشف هشاشة المنشآت، لكنه كشف أيضاً عن قدرة المجتمع على المبادرة. غير أن المبادرات المحلية، مهما بلغت، لا يمكن أن تحل مكان رؤية وطنية متكاملة تعيد صياغة العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والاقتصاد.
فالفرات لا يحتاج فقط إلى جسور من حديد، بل إلى إرادة صلبة تعيد وصل ما انقطع… وتمنع تكرار القطيعة.











