تبدو المفاوضات السورية–الإسرائيلية أمام مرحلة جديدة من الجمود، بعدما اتسعت دائرة الخلافات من ترتيبات أمنية مؤقتة على الحدود إلى قضايا أكثر حساسية تمس مستقبل الجنوب السوري، وانتشار الجيش السوري، والوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة، فضلاً عن الدور التركي المتنامي في سوريا.
وفي خلفية هذا المشهد، تبرز الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 باعتبارها عاملاً قد يكون حاسماً في تحديد سقف التنازلات التي يمكن أن تقدمها حكومة بنيامين نتنياهو.
فبينما تضغط واشنطن باتجاه منع تحول التوتر السوري–الإسرائيلي إلى مواجهة مفتوحة، تحاول دمشق الوصول إلى ترتيبات تضمن سيادتها على أراضيها ووقف الضربات الإسرائيلية، في حين تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسب عسكرية وأمنية تحققت خلال المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
آخر المؤشرات على صعوبة الوصول إلى اتفاق جاء من مصدر سياسي إسرائيلي رفيع، أكد أن المحاولة الأخيرة للتوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق لم تحقق هدفها.
لكن فشل المفاوضات لم يعنِ إغلاق قنوات الاتصال. فالاتصالات بين الجانبين لا تزال قائمة عبر مستويات مختلفة، وتركز بصورة أساسية على منع التصعيد وإدارة الملفات الأمنية الحساسة.
وهذا يعني أن المشهد الحالي لا يشير بالضرورة إلى انهيار المسار التفاوضي، بل إلى انتقاله إلى مرحلة أكثر تعقيداً، تتراجع فيها فرص الإعلان عن اتفاق نهائي، بينما تستمر الاتصالات لمنع تحول الخلافات إلى مواجهة عسكرية واسعة.
في المقابل، تنقل تقارير إسرائيلية عن مصادر سورية أن دمشق لا تبدو مستعدة لتوقيع اتفاق أمني في ظل استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة، الأمر الذي يجعل الانتخابات المقبلة محطة انتظار أساسية بالنسبة إلى الجانب السوري.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن التوصل إلى اتفاق؟ بل أيضاً: مع من ستوقع دمشق هذا الاتفاق، ومتى؟
المنطقة العازلة.. العقدة الأولى
تأتي مسألة الوجود الإسرائيلي داخل المنطقة العازلة في مقدمة الخلافات.
فبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخلت القوات الإسرائيلية مناطق جديدة قرب الحدود، قبل أن يتحول هذا الوجود تدريجياً من إجراء عسكري مؤقت إلى ورقة تفاوضية أساسية.
دمشق تريد استعادة الأراضي التي دخلتها القوات الإسرائيلية، وترى أن أي ترتيبات أمنية ينبغي أن تقود في النهاية إلى انسحابها.
أما إسرائيل، فتتعامل مع وجودها العسكري الجديد باعتباره مكسباً أمنياً لا ترغب في التخلي عنه بسهولة، وترى أن المنطقة توفر لها عمقاً إضافياً وقدرة أكبر على مراقبة ما يجري داخل الجنوب السوري.
وهنا اصطدمت الرؤية السورية بالموقف الإسرائيلي بصورة مباشرة.
فالولايات المتحدة دفعت باتجاه صيغة تقوم على إعادة انتشار إسرائيلي تدريجي مقابل ترتيبات أمنية سورية تحد من النشاط العسكري في الجنوب، لكن إسرائيل لم تبد استعداداً لتقديم التنازل الأساسي المتعلق بالانسحاب.
جبل الشيخ.. ورقة يصعب على إسرائيل التخلي عنها
إذا كانت المنطقة العازلة تمثل عقدة أساسية، فإن جبل الشيخ يكتسب أهمية أكبر بسبب موقعه الاستراتيجي.
وتنظر إسرائيل إلى الجبل باعتباره نقطة مراقبة واستخبارات بالغة الأهمية، ولذلك أعلنت حكومة نتنياهو أن قواتها لن تنسحب منه ما دامت تعتبر أن المخاطر الأمنية قائمة.
ومن وجهة نظر دمشق، فإن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الجبل يعني أن أي اتفاق أمني لن يعالج جوهر المشكلة، بل سيعيد صياغة الوضع العسكري الجديد بصورة أكثر ثباتاً.
لهذا يبدو أن الخلاف حول الجبل يتجاوز مسألة ترسيم مواقع عسكرية، ليصل إلى سؤال أوسع: هل سيكون الوجود الإسرائيلي الذي نشأ بعد سقوط الأسد مؤقتاً أم جزءاً دائماً من المعادلة الأمنية الجديدة؟
الجيش السوري الجديد.. الملف الأكثر حساسية
لا يتعلق الخلاف بالأراضي وحدها.
إسرائيل تراقب أيضاً عملية إعادة بناء الجيش السوري، خصوصاً مع تطور التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة.
وتخشى تل أبيب من أن يؤدي بناء مؤسسة عسكرية سورية جديدة، مدعومة بتكنولوجيا أو تدريب أو تجهيزات خارجية، إلى ظهور جيش قادر مستقبلاً على امتلاك دفاعات جوية ومسيّرات وقدرات عسكرية تحد من حرية الطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية.
وهذه النقطة بالذات تمثل فجوة عميقة بين الطرفين.
فإسرائيل تريد أن يكون حجم الجيش السوري وتسليحه جزءاً من أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
أما دمشق، فتنظر إلى إعادة بناء جيشها باعتباره شأناً سيادياً لا يمكن أن يصبح خاضعاً لموافقة دولة أخرى.
وبالتالي، فإن التفاوض لا يدور فقط حول الحدود الحالية، بل حول شكل ميزان القوى في سوريا خلال السنوات المقبلة.
تركيا تدخل قلب المعادلة
ربما لم يكن الدور التركي حاضراً بهذه القوة في بداية المفاوضات السورية–الإسرائيلية، لكنه أصبح اليوم أحد أكثر الملفات إثارة للقلق الإسرائيلي.
فتركيا باتت شريكاً رئيسياً لدمشق في ملفات إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، الأمر الذي يثير مخاوف إسرائيلية من تحول سوريا إلى مساحة نفوذ تركي عسكري متقدم.
وتزداد حساسية الملف إذا ارتبط التعاون التركي بإنشاء أنظمة رادار أو دفاع جوي أو تشغيل طائرات مسيّرة داخل الأراضي السورية.
وتجلت هذه المخاوف في الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية في إدلب، في ظل حديث إسرائيلي عن مخاوف من وجود قدرات تركية محتملة في الموقع.
لكن دمشق وأنقرة نفتا وجود مشروع لإنشاء قاعدة تركية دائمة، وأكد الجانب السوري أن النشاط كان مرتبطاً بإعادة تأهيل منشأة سورية والتعاون في التدريب.
مع ذلك، حملت الضربة رسالة واضحة: إسرائيل لن تتعامل بسهولة مع أي تغيير عسكري تعتبره قادراً على الحد من تفوقها الجوي داخل سوريا.
واشنطن تحاول منع صدام أكبر
المفارقة أن الملف السوري لم يعد سورياً–إسرائيلياً فقط.
فمع دخول تركيا بصورة أعمق في المشهد، أصبحت الولايات المتحدة أمام مهمة أكثر صعوبة: منع الخلافات بين إسرائيل وتركيا من التحول إلى مواجهة مباشرة.
وتحاول واشنطن في الوقت نفسه الحفاظ على المسار التفاوضي بين دمشق وتل أبيب، ومنع الضربات الإسرائيلية من دفع سوريا نحو خيارات أكثر تصعيداً.
ولهذا ظهرت أفكار لإنشاء آليات اتصال تضم الولايات المتحدة وسوريا وإسرائيل، إلى جانب ترتيبات لمراقبة الوضع الأمني وتبادل المعلومات ومنع الحوادث العسكرية.
لكن المشكلة أن واشنطن نفسها تواجه اختلافاً في التقديرات مع إسرائيل حول طبيعة الحكومة السورية الجديدة.
فالإدارة الأميركية تنظر إلى تثبيت الحكومة السورية ومنع انهيارها باعتباره مصلحة إقليمية، بينما يرى تيار مؤثر داخل إسرائيل أن تعاظم قوة دمشق مستقبلاً قد يتحول إلى مصدر تهديد.
وهنا يصبح مستقبل سوريا جزءاً من خلاف أوسع بين الحليفين الأميركي والإسرائيلي حول كيفية إدارة المرحلة الجديدة في المنطقة.
لماذا تجعل الانتخابات الإسرائيلية الاتفاق أكثر صعوبة؟
الانتخابات المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026 تضيف طبقة سياسية شديدة الحساسية إلى المفاوضات.
فأي انسحاب إسرائيلي من جبل الشيخ أو المنطقة العازلة يمكن أن يتحول بسهولة إلى مادة انتخابية ضد نتنياهو، خصوصاً من جانب اليمين الإسرائيلي الذي يمكن أن يصور الخطوة باعتبارها تنازلاً أمنياً أمام سوريا.
ونتنياهو، الذي بنى جزءاً كبيراً من صورته السياسية على مفهوم القوة والردع ومنع التهديدات قبل تحولها إلى أخطار مباشرة، سيكون أمام تكلفة سياسية مرتفعة إذا قرر تقديم تنازلات كبيرة قبل الانتخابات.
ولذلك قد يكون من الأسهل سياسياً بالنسبة إلى حكومته تأجيل القرارات الكبرى، والحفاظ على الوضع العسكري الحالي، والاستمرار في التفاوض من دون الوصول إلى اتفاق نهائي.
ولا يقتصر الأمر على سوريا.
فالتوتر المتصاعد مع تركيا بدأ هو الآخر يأخذ مساحة في الخطاب السياسي الإسرائيلي، ما يجعل أي خطوة يمكن أن تُفسر على أنها تراجع أمام أنقرة أو دمشق أكثر كلفة في موسم الانتخابات.
دمشق أيضاً لديها أسباب للانتظار
إذا كان لدى نتنياهو سبب انتخابي لتأجيل الاتفاق، فإن دمشق لديها سبب مختلف.
فالحكومة السورية الجديدة قد تفضل انتظار اتضاح نتائج الانتخابات الإسرائيلية قبل الالتزام باتفاق طويل الأمد، خصوصاً إذا كان مستقبل نتنياهو السياسي نفسه غير محسوم.
ومن منظور دمشق، فإن الاتفاق مع حكومة إسرائيلية قد تكون في طريقها إلى الانتخابات يحمل مخاطرة سياسية، لأن أي تفاهم يتم التوصل إليه في هذه المرحلة قد يخضع لاحقاً لإعادة التفاوض إذا تغيرت الحكومة.
لهذا تبدو سياسة الانتظار منطقية للطرفين.
إسرائيل لا تريد تقديم تنازلات كبيرة قبل الانتخابات، ودمشق لا تريد تقديم تنازلات استراتيجية قبل معرفة من سيكون الطرف الإسرائيلي الذي ستتعامل معه بعد الانتخابات.
هل انتهى الاتفاق أم تأجل؟
رغم كل هذا التعقيد، لا تبدو المفاوضات السورية–الإسرائيلية ميتة.
فالطرفان ما زالا يحتفظان بقنوات اتصال، والوساطة الأميركية مستمرة، كما أن مصلحة الطرفين في منع اندلاع حرب شاملة لا تزال قائمة.
لكن الوصول إلى اتفاق نهائي يحتاج إلى معالجة ملفات يصعب على أي طرف تقديم تنازل فيها بسهولة: المنطقة العازلة، جبل الشيخ، الضربات الجوية، مستقبل الجيش السوري، الدور التركي، وترتيبات الجنوب.
ومن هنا قد يكون ما نشهده حالياً تجميداً سياسياً أكثر منه انهياراً للمفاوضات.
فالمسار لم يغلق، لكنه اصطدم بسقف سياسي وعسكري مرتفع.
ما بعد الانتخابات.. بداية جديدة أم جولة تفاوض أصعب؟
قد تكون انتخابات تشرين الأول/أكتوبر نقطة التحول الأهم في هذا المسار.
فإذا تغيرت الحكومة الإسرائيلية، فقد تتغير حسابات التفاوض، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحكومة الجديدة ستكون أكثر استعداداً للانسحاب.
أما إذا بقي نتنياهو، فقد يدخل المفاوضات من موقع أقوى داخلياً، لكنه سيكون مطالباً أيضاً بإدارة العلاقة مع واشنطن وتركيا ودمشق ضمن توازن بالغ الحساسية.
وفي الحالتين، يبدو أن سوريا لم تعد مجرد طرف يتلقى ترتيبات أمنية مفروضة عليها، بل أصبحت جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي الجديد.
لقد خرجت إيران وحزب الله بدرجة كبيرة من المعادلة السورية، وظهر بدلاً منهما تنافس إسرائيلي–تركي على النفوذ والحدود والأمن.
وهكذا لم يعد السؤال متعلقاً فقط بما إذا كانت سوريا وإسرائيل ستوقعان اتفاقاً أمنياً، وإنما أي سوريا ستخرج من هذا المسار، وأي إسرائيل ستفاوضها، ومن سيكون صاحب الكلمة الأثقل في رسم قواعد اللعبة الجديدة؟
حتى الآن، يبدو أن الإجابة مؤجلة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
لكن المؤكد أن كل يوم يمر من دون اتفاق لا يعني بالضرورة توقف التفاوض؛ بل قد يعني أن الأطراف تستعد لجولة تفاوض جديدة، بشروط مختلفة، وبعد أن تتضح نتائج المعركة السياسية في إسرائيل.










