من بلدٍ أنهكته الحرب إلى دولة تحاول استعادة موقعها بين طرق التجارة والطاقة.. أحمد الشرع يطرح رؤية لسوريا لا تقوم على عبور البضائع فقط، بل على إعادة بناء دورها في اقتصاد المنطقة.
لسنوات طويلة، بدا الموقع الجغرافي السوري وكأنه ثروة معطلة.
بلد يقع عند نقطة التقاء العراق وتركيا والأردن ولبنان والبحر المتوسط، وعلى مسافة قريبة من أسواق الخليج وأوروبا، لكنه عاش خلال أكثر من عقد خارج معظم شبكات التجارة الإقليمية، بينما تراجعت بنيته التحتية وتقطعت طرقه البرية والاقتصادية بفعل الحرب.
اليوم، يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع إعادة طرح السؤال بطريقة مختلفة:
ماذا لو استعادت سوريا موقعها الطبيعي على خريطة التجارة الإقليمية؟
خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي 2026 في دبي، تحدث الشرع عن إمكانية أن تلعب سوريا دوراً أكبر في حركة التجارة وإمدادات الطاقة بين الشرق والغرب، مستنداً إلى موقعها الجغرافي وما يمكن أن يوفره من مسارات برية ولوجستية.
لكن أهمية الطرح لا تكمن فقط في الحديث عن طريق بديل هنا أو مشروع نقل هناك، وإنما في الرؤية الأوسع التي يحملها: تحويل الموقع السوري من مجرد ميزة جغرافية إلى أصل اقتصادي يمكن أن تستثمره الدولة.
الجغرافيا التي تنتظر الاقتصاد
الموقع وحده لا يصنع ممراً تجارياً.
فالدول التي تتحول إلى عقد لوجستية عالمية لا تعتمد على موقعها فقط، وإنما على الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمعابر والمناطق الحرة والمستودعات والخدمات المالية والتأمين والجمارك والأمن والاستقرار السياسي.
وهذا تحديداً ما يجعل الرؤية السورية أكبر من مجرد إعادة فتح طريق قديم.
إذا أرادت دمشق أن تستعيد دورها بين الخليج والعراق وتركيا والبحر المتوسط وأوروبا، فعليها أن تبني منظومة متكاملة تجعل المرور عبر الأراضي السورية خياراً عملياً للشركات والدول، وليس مجرد خط على الخريطة.
وهنا يصبح الاستثمار في البنية التحتية جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس مشروعاً خدمياً منفصلاً.
يمكن لسوريا، نظرياً، أن تستفيد من تعدد منافذها واتصالاتها البرية والبحرية.
فالموانئ على الساحل يمكن أن تشكل بوابة باتجاه البحر المتوسط، بينما يمكن للطرق البرية أن تربطها بالعراق والخليج من جهة، وبتركيا والأسواق الأوروبية من جهة أخرى.
وفي حال تطوير هذه الشبكة، لن تكون القيمة في نقل شحنة واحدة من نقطة إلى أخرى، بل في إنشاء سلسلة لوجستية متكاملة يمكن أن تستفيد منها قطاعات واسعة: النقل البري، التخزين، التخليص الجمركي، المرافئ، الخدمات المالية، التأمين، والصناعات المرتبطة بالنقل.
وهنا تحديداً يمكن أن يتحول الموقع السوري إلى مصدر دخل يتجاوز الرسوم المباشرة على عبور البضائع.
فالاقتصاد اللوجستي يولّد نشاطاً حول الطريق نفسه.
الحديث عن الطاقة يفتح باباً آخر أكثر تعقيداً.
سوريا ليست من كبار منتجي الطاقة، لكن موقعها يجعلها قادرة نظرياً على أن تكون جزءاً من شبكات نقل إقليمية، إذا توافرت البنية التحتية والاستثمارات والاتفاقات السياسية اللازمة.
ومن هذه الزاوية، فإن مشاريع خطوط الغاز أو النفط لا ينبغي النظر إليها باعتبارها أنابيب تمر عبر الأراضي السورية فحسب.
فالخط الذي يمر عبر دولة ما يمكن أن يخلق حوله منظومة من التخزين والصيانة والخدمات والطاقة والصناعات المرتبطة بها، فضلاً عن القيمة الاستراتيجية التي يكتسبها البلد عندما يصبح جزءاً من شبكة إمدادات إقليمية.
لكن هذا المجال يحتاج إلى استثمارات ضخمة واتفاقات طويلة الأمد واستقرار أمني وقانوني، وهي شروط لا يمكن تجاوزها بالتصريحات وحدها.
اقتصاد يريد أن يكبر مع إعادة بناء الدولة
في حديثه عن الاقتصاد، قال الشرع إن الاقتصاد السوري كان في حدود 20 مليار دولار عند سقوط النظام السابق نهاية 2024، وإنه ارتفع إلى نحو 32 مليار دولار خلال 2025، متوقعاً وصوله إلى 50 مليار دولار خلال العام الجاري.
هذه الأرقام، كما وردت في تصريحات الرئيس، تعكس الطموح الاقتصادي للحكومة أكثر مما تمثل وحدها حكماً نهائياً على مسار الاقتصاد السوري.
لكن اللافت في الرؤية هو الربط بين النمو الاقتصادي وبين إعادة تموضع سوريا إقليمياً.
فالفكرة ليست فقط إعادة تشغيل المصانع أو إصلاح الأسواق الداخلية، وإنما بناء اقتصاد يستطيع الاستفادة من حركة المنطقة نفسها.
سوريا لا تحتاج فقط إلى أن تنتج أكثر؛ بل يمكنها أن تربح أيضاً من كونها نقطة عبور وخدمة وربط.
وهذا النوع من الاقتصادات يحتاج إلى دولة مستقرة وقواعد واضحة واستثمارات طويلة الأجل.
الطريق وحده لا يكفي
أصعب ما في المشروع السوري ليس رسم المسارات على الخريطة.
الخرائط موجودة منذ عقود.
التحدي الحقيقي هو تحويلها إلى طرق آمنة ومجهزة، ومعابر تعمل بكفاءة، وجمارك سريعة، وشبكات نقل حديثة، وموانئ قادرة على استقبال الحركة التجارية، وتشريعات تجعل المستثمر قادراً على توقع تكاليفه ومخاطره.
كما أن إعادة بناء البنية التحتية السورية تحتاج إلى تمويل كبير، في وقت ما تزال فيه البلاد خارجة من حرب طويلة تركت آثاراً واسعة على شبكات الطرق والكهرباء والمرافئ والمنشآت الاقتصادية.
لذلك فإن نجاح الرؤية الاقتصادية المرتبطة بالموقع السوري سيعتمد على مجموعة عوامل تعمل معاً، وليس على عامل جغرافي منفرد.
القاهرة والخليج وتركيا.. الاقتصاد يحتاج إلى محيطه
في حديثه عن العلاقات الإقليمية، أشار الشرع إلى أن دمشق تسير في الاتجاه الصحيح مع القاهرة، وتحدث عن وجود استثمارات متبادلة بين البلدين.
هذه الإشارات مهمة لأن الدور الاقتصادي السوري لا يمكن أن يبنى بمعزل عن علاقات دمشق مع محيطها العربي والإقليمي.
فالممر التجاري الناجح يحتاج إلى أكثر من دولة واحدة.
إنه سلسلة تبدأ من المنتج أو المصدر، وتمر ببلدان العبور، وتنتهي بالمستهلك والأسواق النهائية.
وكلما كانت العلاقات بين هذه الدول أكثر استقراراً، أصبحت حركة التجارة أكثر قابلية للنمو.
من هنا يمكن فهم الانفتاح الاقتصادي السوري باعتباره جزءاً من إعادة بناء شبكة العلاقات الإقليمية، وليس ملفاً منفصلاً عن السياسة الخارجية.
الموقع السوري يمنح البلاد فرصة حقيقية لإعادة تعريف دورها الاقتصادي، لكن الفرصة لا تتحول تلقائياً إلى واقع.
هناك فارق كبير بين أن تكون الدولة موجودة على طريق تجاري محتمل، وبين أن تصبح بالفعل جزءاً لا غنى عنه من شبكة التجارة الإقليمية.
الفارق تصنعه البنية التحتية، والاستقرار، والقوانين، والاستثمار، وكفاءة المؤسسات، وسرعة المعابر، وقدرة الموانئ والطرق على التعامل مع أحجام كبيرة من التجارة.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي أمام دمشق ليس إثبات أن سوريا تقع في موقع استراتيجي؛ فهذا أمر معروف منذ قرون.
الرهان هو إثبات أن سوريا الجديدة قادرة على تحويل هذه الجغرافيا إلى اقتصاد.
لسوريا تاريخ طويل باعتبارها نقطة التقاء بين مناطق مختلفة من العالم.
لكن الحروب أخرجتها من كثير من مسارات التجارة الإقليمية، فيما بنت دول أخرى موانئ ومناطق حرة وشبكات طرق وسكك حديدية ضخمة، وأصبحت تنافس على موقع العقدة التجارية في المنطقة.
اليوم، تأتي تصريحات الشرع لتعيد طرح سوريا باعتبارها جزءاً من هذه المنافسة الاقتصادية.
ولا يتعلق الأمر بأن تصبح سوريا مجرد ممر للبضائع والطاقة، بل بأن تتحول حركة العبور نفسها إلى محرك لإعادة بناء الاقتصاد السوري.
فإذا عبرت الشاحنات، يمكن أن تنشأ مراكز التخزين.
وإذا توسعت حركة الموانئ، يمكن أن تنمو الخدمات والصناعات المرتبطة بها.
وإذا أصبحت سوريا جزءاً من شبكة الطاقة الإقليمية، يمكن أن تظهر استثمارات جديدة حولها.
وهكذا يمكن للطريق أن يتحول إلى اقتصاد، وللموقع إلى قيمة، وللجغرافيا إلى نفوذ اقتصادي.
السؤال الذي سيحسم كل شيء
بعد سنوات من الحرب، تقف سوريا أمام مرحلة مختلفة: هل تستطيع أن تعيد بناء اقتصادها من الداخل فقط، أم تنجح أيضاً في استثمار موقعها لتصبح جزءاً من حركة الاقتصاد الإقليمي؟
الإجابة لن تحددها التصريحات، ولا الخرائط، ولا المشاريع المعلنة وحدها.
ستحددها قدرة سوريا على بناء بنية تحتية حديثة، وتوفير بيئة استثمار مستقرة، وتأمين طرق التجارة، وربط موانئها وحدودها بشبكات إقليمية فعالة.
عندها فقط يمكن أن تتحول الفكرة التي تحدث عنها الشرع من ميزة جغرافية معروفة إلى واقع اقتصادي ملموس.
فالموقع الذي بقي لعقود أسيراً للحرب يمكن أن يصبح، إذا نجحت عملية إعادة البناء، واحداً من أهم مفاتيح عودة سوريا إلى المنطقة.
السؤال لم يعد أين تقع سوريا على الخريطة، بل ماذا تستطيع أن تفعل بهذا الموقع.











