تُعدّ زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقطة تحوّل استثنائيً في مقاربة واشنطن تجاه دمشق، بعد عقود من القطيعة والعداء. إذ استقبل الرئيس الأمريكي ترامب نظيره السوري أحمد الشرع في أول زيارة رسمية يقوم بها رئيس سوري إلى البيت الأبيض، في خطوة غير مسبوقة تمثل تحولاً عميقاً في مسار العلاقات بين واشنطن ودمشق. جاءت الزيارة في سياق تحولات داخلية وإقليمية عميقة، أبرزها سعي الشرع إلى إنهاء عزلة بلاده والانفتاح على الغرب، مقابل رغبة واشنطن في تقليص نفوذ إيران وروسيا داخل سوريا، ومن الجدير بالذكر أن الزيارة تزامنت بعد أيام فقط من إعلان واشنطن رفع اسم الرئيس ووزير الداخلية من قوائم الإرهاب.
عقب اللقاء، صرّح الرئيس ترامب أن إدارته تعمل مع إسرائيل على تحسين العلاقات مع سوريا، مضيفاً أن واشنطن ترى في دمشق شريكاً محتملاً في تحقيق الاستقرار الإقليمي. وقال ترامب عن الشرع أمام الصحفيين “يقول البعض إن ماضيه كان مضطرباً، لكن كلنا مررنا بماضٍ مضطرب. المهم هو المستقبل وما يمكننا تحقيقه معاً”.
من جانبها، أكدت الرئاسة السورية أن المباحثات ركزت على تعزيز العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية حيث ناقش الجانبان خلال اللقاء ملفات الأمن والتعاون الإقليمي، وإمكانية انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ما قد يُعلن عنه رسميًا خلال الأسابيع المقبلة. وبذات الوقت، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية تعليق فرض العقوبات بموجب قانون قيصر جزئيًا لمدة 180 يوماً، في إشارة إلى اختبار متبادل للثقة.
ومنذ وصوله إلى السلطة، سعى الرئيس الشرع إلى تحرير السياسة السورية من تبعية المحاور التقليدية، عبر إعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي من خلال جولات خارجية شملت تركيا ودول الخليج وروسيا، ويبدو أن زيارته إلى واشنطن تأتي تتويجاً لهذا التحول الاستراتيجي، في ظل إدراكه أن استقرار حكمه وإعادة إعمار بلاده لا يمكن أن يتحققا دون تفاهم مع الغرب، في إطار سياسة تهدف إلى إنهاء عزلة البلاد وتحقيق مصالحها الوطنية وإعادة صياغة دورها كدولة محورية في المنطقة مما يفتح الباب أمام تسويات أوسع من الإطار السوري ذاته.
إستراتيجياً، يُحتمل أن يشكل اللقاء بداية مرحلة إعادة هندسة للتحالفات في المشرق العربي. فدمشق الجديدة تسعى إلى التمايز عن إرثها السابق، بينما تحاول واشنطن الاستثمار في هذا التحول لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة ولتثبيت موطئ قدم سياسي وربما عسكري حيث تشير التقارير إلى أن واشنطن تدرس إقامة وجود عسكري رمزي في قاعدة قرب دمشق ضمن اتفاق أمني يجري التفاوض عليه في سوريا. وفي المحصلة، يفتح لقاء الشرع وترامب الباب أمام توازنات جديدة تتجاوز الانقسام التقليدي بين الشرق والغرب، يسعى الشرع من خلاله إلى تحويل الانفتاح الأمريكي إلى مظلة دولية لحكمه الوليد، تؤسس لمرحلة أكثر سيولة في العلاقات الدولية، يكون فيها الفاعل السوري لاعباً مستقلاً لا تابعاً. لذلك لا يمكن النظر إلى لقاء الشرع وترامب كمجرد حدث دبلوماسي، بل كإشارة إلى ولادة مرحلة جديدة في العلاقات السورية – الأمريكية، قد تعيد ترتيب موازين القوى في المنطقة، وتفتح الباب أمام تسويات كبرى طال انتظارها.










