في مشهدٍ يندى له جبين الإنسانية وتتوارى خجلاً أمام هوله كافة المفاهيم والأعراف الدولية، تجد الثكالى والأسر المشردة في الجنوب السوري نفسها مرة أخرى حطباً لسياسات “الرد العشوائي” وعرضة لطائرات تُغير تحت عناوين براقة ومضللة. إن القصف الجوي الأردني الذي طال مناطق متفرقة في محافظتي درعا والسويداء لم يكن مجرد حدث عسكري عابر، بل جريمة مكتملة الأركان صُبت فيها أطنان من الصواريخ فوق رؤوس مدنيين عزل لا حول لهم ولا قوة، ليُدفع بطفولة بريئة وشيوخ طاعنين في السن إلى قائمة ضحايا انتقام غير محسوب.
لم تفرق الصواريخ بين مقرٍ لميليشيا ومأوى لأسرة نازحة؛ إذ حوّلت الغارات خيمة تقيم فيها عائلة سورية بقرية الطف في منطقة اللجاة إلى بركة من الدماء والأشلاء. لم تكن تلك الخيمة “وكراً إرهابياً” كما زُعم، بل كانت تلم شمل المعمرة لطيفة العلي (90 عاماً) وأحفادها البرعماء: لميس (6 سنوات)، أسامة (8 سنوات)، وياسين (10 سنوات)، ومعهم الشاب زاهر السليم (18 عاماً). أيّ خطرٍ عسكري كان يشكله طفل في السادسة من عمره؟ وأي تهديدٍ أمني كانت تمثله عجوزٌ ناهزت القرن؟
ولم تقف المأساة عند حدود تلك الخيمة؛ ففي منطقة الشياح بمحيط نصيب، طالت غارة غادرة المدرس المتقاعد رياض الأكراد (80 عاماً)، ليرتقي شهيداً وهو يفلح أراضيه بين أشجار الزيتون، ينضاف إليه الستيني مطلق أبو الخيل في بلدة شهيب بالسويداء. إنها حصيلة ثقيلة تُكذب ادعاءات “الدقة” وتكشف عورة الروايات الرسمية التي تُلقى في المؤتمرات الصحفية.
تتبدى الخطورة الحقيقية ليس فقط في حجم الخسائر البشرية، بل في التناقض الصارخ والتخبط في الخطاب الرسمي الأردني:
التنصل الثنائي والتناقض الزمني: ظهر الاثنين صرّح وزير الداخلية الأردني بوضوح أن التحقيقات في هجوم كنيسة الكرك لم تثبت وجود أي مؤشرات على ارتباط المشتبه بهم الثلاثة (وهو أردنيون ينتمون لعائلة واحدة) بخلايا خارجية.
القفز القاتل إلى النتائج: في مساء اليوم ذاته، تحوّل التردد إلى استعراض قوة مسلحة؛ حيث أعلن الجيش الأردني شن غارات استهدفت “أوكاراً إرهابية” بزعم ارتباطها بموقوفي الكرك!
الضبابية والهروب من المساءلة: لم يحدد البيان العسكري الأردني أسماء تلك التنظيمات، ولم يقدّم أي دليل مادي يُثبت العلاقة بين منفذي عملية الكرك والأهداف التي أُبيدت على الأراضي السورية، فضلاً عن الصمت المطبق تجاه التقارير المؤكدة لانتشال جثامين الأطفال والمدنيين.
إن هذا الهروب للداخل السوري بذريعة التغطية على ثغرات أمنية داخلية يمثل سابقة خطيرة؛ إذ يُستعاض عن التحقيق الشفاف والدقيق بضربات استعراضية تريق دماء الأبرياء وتتجاهل سيادة الدول المجاورة.
بين ادعاء “مكافحة الإرهاب” وانتهاك السيادة: إلى متى يُستباح الجنوب؟
إن ما حدث يتجاوز مفهوم “الخطأ التكتيكي” ليدخل في نطاق الانتهاك الصريح والعمياء للسيادة السورية، وللقانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المدنيين أو اتخاذهم أهدافاً جانبية في الصراعات.
غياب التنسيق والتجاهل: أبلغت الخارجية السورية الجانب الأردني بتحفظها التام على تنفيذ عمليات داخل الأراضي السورية دون تنسيق مسبق، إلا أن السياسات العسكرية القائمة على فرض الأمر الواقع استمرت في إهدار أرواح المدنيين.
العدالة الغائبة: لا يمكن القبول بشرعنة أي عمل عسكري يدّعي محاربة “الإرهاب” بينما يُخلف وراءه جثث الأطفال والمسنين، ولا يجوز إغلاق الملفات باستصدار بيانات ضبابية تتهرب من الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والتحقيق المستقل.
ختاماً: لا شرعية لغارة تُبيد الأطفال
إن محاربة الإرهاب لا تكون بإرهاب الآمنين في خيامهم ومزارعهم، والعدالة لضحايا هجوم الكرك لن تتحقق بسفك دماء أطفال اللجاة وشيوخ درعا والسويداء. يجب أن تتوقف هذه الضربات العشوائية فوراً، وأن يُفتح تحقيق دولي ومستقل يكشف حقيقة هذه الانتهاكات، ويُحاسب المتسببين في إزهاق أرواح هؤلاء الأبرياء الذين لم تكن جريمتهم سوى أنهم وجدوا في جغرافية مستباحة لا تجد من يحميها.










