في صباحات الثورة السورية والحرب التي امتدت لسنوات، لم يكن الرئيس أحمد الشرع وبريت ماكغورك يعرفان بعضهما شخصياً، لكن كلاً منهما كان حاضراً، بطريقة مختلفة، في المشهد الذي كان يرسم مستقبل سوريا.
لم تجمعهما طاولة مفاوضات، ولم يتبادلا المصافحات أمام الكاميرات، ولم يكونا في يوم من الأيام طرفين مباشرين في مواجهة سياسية تقليدية. كانت سوريا وحدها نقطة التقاطع بين رجلين جاء كل منهما من طريق مختلف تماماً.
في جهة، كان الرئيس أحمد الشرع يخوض مساراً عسكرياً وسياسياً بالغ التعقيد، بدأ في سنوات الفوضى الإقليمية، ثم انتقل إلى الساحة السورية، قبل أن يقود لاحقاً مساراً انتهى بوصوله إلى رئاسة الدولة.
وفي الجهة المقابلة، كان بريت ماكغورك يصعد داخل المؤسسة الأميركية، ويتحول إلى أحد أبرز مهندسي سياسة واشنطن في العراق وسوريا ومحاربة تنظيم الدولة، متنقلاً بين الإدارات الأميركية ومراكز القرار، ومشاركاً في رسم شبكة واسعة من التحالفات والترتيبات التي حكمت جزءاً كبيراً من المشهد الإقليمي.
كان الرجلان، طوال سنوات، ينظران إلى سوريا من نافذتين مختلفتين.
لكن في 22 أيلول/سبتمبر 2026، ستضعهما نيويورك على منصة واحدة، في مشهد كان يبدو، قبل سنوات قليلة، أقرب إلى المستحيل منه إلى السياسة الواقعية.
سيعرض الرئيس أحمد الشرع رؤيته لمستقبل سوريا، وأولويات حكومته في إعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي والإصلاح المؤسسي، بينما يدير ماكغورك الحوار.
وهنا لا تكمن أهمية المشهد في الصورة وحدها، بل في السؤال الذي تختصره: كيف انتقل رجلان كانا يقفان على طرفي الحكاية السورية إلى نقطة واحدة للحديث عن مستقبل البلاد؟
ماكغورك.. رجل واشنطن الذي بقي في المشهد
منذ دخوله إلى العراق بعد الغزو الأميركي عام 2003، ارتبط اسم بريت ماكغورك بالتحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط.
عمل في بغداد وواشنطن، وتعامل مع إدارات أميركية متعاقبة، وشارك في ملفات العراق، ثم أصبح لاحقاً أحد أبرز الوجوه الأميركية في الحرب على تنظيم الدولة.
وبحلول عام 2015، كان ماكغورك قد أصبح المبعوث الأميركي الأبرز للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، في وقت كانت فيه واشنطن تبحث عن شركاء محليين يمكن الاعتماد عليهم في المعركة السورية.
اختارت الولايات المتحدة دعم وحدات حماية الشعب الكردية، التي أصبحت لاحقاً جزءاً أساسياً من قوات سوريا الديمقراطية، ورأت فيها شريكاً ميدانياً فعالاً في الحرب على تنظيم الدولة.
كان ذلك الخيار من أكثر الملفات حساسية في السياسة الأميركية تجاه سوريا.
فتركيا رأت في وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني، بينما اعتبرت أطراف سورية أن الدعم الأميركي لقوة عسكرية محلية يساهم في تكريس واقع جغرافي وسياسي جديد خارج سلطة الدولة المركزية.
وفي تلك المرحلة، لم يكن الرئيس أحمد الشرع في الحسابات الأميركية باعتباره شريكاً محتملاً في إدارة الدولة السورية، بل كان جزءاً من بيئة الصراع التي تعاملت معها واشنطن من منظور أمني وعسكري مختلف تماماً.
كان لكل رجل موقعه في المشهد، وكانت المسافة بين الموقعين تبدو واسعة إلى درجة يصعب معها تصور نقطة التقاء.
في المقابل، كان مسار الرئيس أحمد الشرع يتشكل بعيداً عن مكاتب صنع القرار في واشنطن.
فقد بدأ هذا المسار في بيئة إقليمية مضطربة أعقبت الغزو الأميركي للعراق، قبل أن تنتقل تداعياتها إلى سوريا مع اندلاع الثورة والحرب.
وخلال السنوات التالية، شهد مسار الشرع تحولات عسكرية وسياسية وتنظيمية متتالية، وصولاً إلى التحول الأكبر: الانتقال من موقع الفاعل في الحرب إلى موقع المسؤول عن إدارة الدولة.
وهذا التحول لا يختصره صعود شخص واحد، بل يعكس التغير العميق الذي أصاب سوريا نفسها.
فالرجل الذي كان يُنظر إليه في مرحلة ما باعتباره جزءاً من الصراع، أصبح لاحقاً أمام مسؤولية مختلفة تماماً: إعادة بناء مؤسسات الدولة، توحيد القرار السياسي والأمني، التعامل مع القوى المحلية، وفتح البلاد أمام مسار اقتصادي ودبلوماسي جديد.
ومن هنا تبدأ المفارقة الحقيقية في قصة الرئيس أحمد الشرع وماكغورك.
فليس مهماً فقط أن الرجلين تغيرا، بل إن سوريا التي كان كل منهما يتعامل معها تغيرت أيضاً.
كان ماكغورك خلال سنوات الحرب ينظر إلى سوريا بدرجة كبيرة من خلال أولوية محاربة تنظيم الدولة ومنع عودته، وبناء شراكات محلية قادرة على تحقيق المصالح الأميركية على الأرض.
لكن هذه المقاربة أنتجت، في الوقت نفسه، واقعاً شديد التعقيد.
فالدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية لم يكن مجرد ترتيبات عسكرية مؤقتة، بل أصبح أحد الملفات الرئيسية في النقاش حول شكل الدولة السورية، وحدود اللامركزية، ومستقبل شمال شرقي البلاد، وطبيعة العلاقة بين المركز والقوى المحلية.
ومن جهة أخرى، لم تكن سوريا مجرد ساحة للحرب على تنظيم الدولة.
كانت هناك قضية الدولة نفسها، ومؤسساتها، وحدودها، وسيادتها، ومستقبل جيشها، وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وهنا تبرز أهمية التحول الذي حدث خلال السنوات اللاحقة.
فبعد أن كانت سوريا تُقرأ من خلال ملفات مكافحة الإرهاب والنفوذ الإقليمي والقوى المحلية، أصبحت مسألة إعادة بناء الدولة السورية تتقدم تدريجياً إلى الواجهة.
وفي هذا السياق، تصبح منصة نيويورك أكثر من مجرد حوار سياسي.
إنها اختبار لمدى تغير الأسئلة الأميركية تجاه سوريا، ومدى قدرة القيادة السورية الجديدة على تقديم إجابات مختلفة عن تلك التي كانت مطلوبة منها خلال سنوات الحرب.
حين تسقط المسافات بين الخصوم
في عام 2018، استقال ماكغورك احتجاجاً على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب سحب القوات الأميركية من سوريا، محذراً من تداعيات الانسحاب المبكر على المكاسب التي تحققت في الحرب على تنظيم الدولة.
لكن الرجل عاد لاحقاً إلى قلب القرار الأميركي مع إدارة جو بايدن، ليواصل لعب دور مؤثر في ملفات الشرق الأوسط.
وخلال هذه السنوات، كان المشهد السوري نفسه يتغير بصورة متسارعة.
تحالفات تتبدل، قوى تتراجع، أخرى تتقدم، وأفكار كانت تبدو مستحيلة تصبح فجأة جزءاً من النقاش السياسي.
وفي المقابل، كان الرئيس أحمد الشرع ينتقل هو الآخر بين مراحل مختلفة، إلى أن أصبح رئيساً لسوريا الجديدة.
وهكذا، لم يعد السؤال متعلقاً بما إذا كان الرجلان يتفقان أو يختلفان في الماضي.
السؤال أصبح: هل يستطيع كل منهما التعامل مع الآخر انطلاقاً من موقعه الجديد؟
ماكغورك لم يعد مجرد رجل الحرب على تنظيم الدولة، والشرع لم يعد فاعلاً عسكرياً على هامش النظام السياسي.
الأول يتحدث من موقع رجل خبر تفاصيل السياسة الأميركية تجاه المنطقة، والثاني يتحدث من موقع رئيس دولة يحاول إعادة صياغة موقع سوريا داخلياً وإقليمياً ودولياً.
من ديفيد بتريوس إلى بريت ماكغورك
لم تكن صورة الرئيس أحمد الشرع في نيويورك مع ديفيد بتريوس خلال أيلول/سبتمبر 2025 مجرد صورة بروتوكولية.
فالرجل الذي واجهته واشنطن في سنوات سابقة أصبح يجلس أمام شخصية كانت جزءاً من أعلى مستويات المؤسسة الأمنية والعسكرية الأميركية، ويسمع منه مخاطبة بصفته رئيساً لسوريا.
لكن المشهد المقبل مع بريت ماكغورك يحمل دلالة مختلفة.
بتريوس يمثل جانباً من المؤسسة العسكرية والأمنية الأميركية، بينما يمثل ماكغورك، بدرجة أكبر، مدرسة السياسة الخارجية التي اشتغلت لسنوات على إدارة الملفات المحلية وبناء التحالفات والشراكات في الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن جلوس الرئيس أحمد الشرع أمام ماكغورك يفتح نافذة مختلفة على التحول السوري.
إنه انتقال من زمن كان فيه السؤال الأميركي يتمحور حول: من يحارب تنظيم الدولة؟
إلى زمن جديد قد يصبح السؤال فيه: من يستطيع بناء دولة سورية مستقرة وقابلة للحياة؟
وهذا تحول جوهري، لأن إدارة الصراع تختلف جذرياً عن إدارة الدولة.
من المرجح أن يكون الاقتصاد وإعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي في صدارة الحديث، لكن خلف هذه العناوين توجد ملفات أكثر حساسية.
هناك شكل الدولة السورية، ومستقبل المؤسسات الأمنية والعسكرية، والعلاقة بين المركز والمناطق، ومصير القوى المسلحة، ومسألة دمجها ضمن مؤسسات الدولة، إضافة إلى قدرة دمشق على استعادة علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية.
كما أن واشنطن ستنظر، بطبيعة الحال، إلى ملفات الأمن ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود ومنع عودة الجماعات المتطرفة.
لكن الرئيس أحمد الشرع سيخاطب ماكغورك من موقع مختلف عن كل المواقع التي عرفتها واشنطن في سوريا خلال السنوات الماضية.
لن يكون ممثلاً لفصيل محلي، ولا قائداً لقوة عسكرية تبحث عن اعتراف دولي، بل رئيساً لدولة تحتاج إلى الاعتراف بقدرتها على إدارة أراضيها ومؤسساتها وحدودها.
وهنا تكمن قيمة الحوار.
فالمطلوب من الرئيس السوري ليس فقط أن يشرح ما حدث في الماضي، وإنما أن يقنع الآخرين بأن سوريا دخلت مرحلة جديدة يمكن التعامل معها وفق قواعد مختلفة.
هل تغير ماكغورك أم تغيرت سوريا؟
ربما يكون هذا السؤال أكثر أهمية من السؤال المتعلق بشخصية ماكغورك أو الرئيس أحمد الشرع.
فالسياسة الأميركية نفسها تغيرت، كما تغيرت أولويات المنطقة، وتغيرت سوريا.
ماكغورك الذي كان يرى الحرب على تنظيم الدولة أولوية قصوى بات ينظر إلى مشهد إقليمي أكثر تعقيداً، تتداخل فيه قضايا الدولة والاستقرار والحدود والنفوذ الإيراني والتركي والأمن الإسرائيلي ومستقبل القوى المحلية.
وفي المقابل، فإن الرئيس أحمد الشرع يدخل السياسة الدولية من بوابة مختلفة تماماً عن تلك التي دخل منها قبل سنوات.
وهذا يعني أن منصة نيويورك لا تجمع شخصين فقط، وإنما تجمع مرحلتين من تاريخ سوريا.
مرحلة كان عنوانها الحرب وتعدد القوى والساحات المفتوحة.
ومرحلة تحاول أن تجعل عنوانها الدولة وإعادة الإعمار والمؤسسات والاقتصاد.
المنصة الواحدة لا تعني اتفاقاً
ومع ذلك، سيكون من الخطأ قراءة المشهد باعتباره نهاية للخلافات أو إعلاناً عن تطابق في الرؤى.
فالجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني أن واشنطن ودمشق أصبحتا متفقتين على كل شيء، كما لا يعني أن الملفات الشائكة اختفت.
العكس ربما هو الصحيح.
كلما اقتربت سوريا من مرحلة الدولة، أصبحت الأسئلة أكثر صعوبة.
من يملك السلاح؟
كيف تدار المناطق؟
ما حدود الإدارة المحلية؟
كيف تدمج القوى العسكرية؟
كيف تحمي الدولة التنوع السوري؟
كيف تضمن العدالة والمساءلة؟
وكيف يمكن إعادة بناء الاقتصاد في بلد أنهكته الحرب والعقوبات والانقسام؟
هذه الأسئلة ستكون أهم من الصورة نفسها.
المفارقة السورية
في النهاية، قد تكون المفارقة الأهم أن الرئيس أحمد الشرع وبريت ماكغورك لم يحتج أي منهما إلى هزيمة الآخر حتى يجلسا على المنصة نفسها.
الذي تغير هو السياق.
الرجل الذي كان في مرحلة ما جزءاً من الحسابات العسكرية والأمنية للصراع أصبح رئيساً للدولة.
والرجل الذي كان جزءاً من السياسة الأميركية التي تعاملت مع سوريا كساحة حرب على الإرهاب والقوى المتنافسة، أصبح اليوم يحاور رئيس سوريا حول مستقبلها.
وبين الموقعين، تغيرت البلاد.
ولهذا، فإن صورة الرئيس أحمد الشرع إلى جانب بريت ماكغورك في نيويورك لن تكون مجرد مشهد دبلوماسي عابر.
ستكون صورة تختصر مسافة طويلة قطعتها سوريا من الخنادق إلى قاعات السياسة، ومن تعدد اللاعبين إلى البحث عن مركز واحد للقرار، ومن سؤال الحرب إلى سؤال الدولة.
وربما يكون السؤال الأهم الذي سيبقى معلقاً فوق المنصة:
هل تستطيع سوريا الجديدة أن تجعل العالم يتعامل معها بوصفها دولة تبحث عن مستقبلها، لا ساحة تبحث القوى الأخرى عن موقع لها داخلها؟
إذا نجحت دمشق في تقديم إجابة مقنعة، فقد تكون جلسة نيويورك أكثر من حوار بين الرئيس أحمد الشرع وبريت ماكغورك.
قد تكون واحدة من الصور التي توثق انتقال سوريا من طرف الحكاية إلى محاولة كتابة نهايتها بنفسها.










