تكتسب العلاقات السورية-السعودية بعداً استراتيجياً متزايد الأهمية في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة، وهو ما تجلى في الزيارة الثانية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية في غضون شهر واحد، ومباحثاته المباشرة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. لم تكن هذه الزيارة مجرد محطة بروتوكولية، بل جاءت محمّلة بملفات أمنية واقتصادية ودفاعية بالغة الحساسية، عكسها التشكيل الرفيع للوفد السوري الذي ضم وزراء الخارجية، والدفاع، والمالية، والصناعة، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات العامة.
تأتي المباحثات السورية-السعودية في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من السيولة السياسية والتأهب العسكري، ولا سيما مع تصاعد التهديدات الناجمة عن احتمالات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وتُبرز طبيعة الوفد المرافق للرئيس الشرع إدراك دمشق لضرورة بناء مقاربة شاملة في التعامل مع الرياض، تجمع بين التنسيق السياسي والأمني المباشر من جهة، وتأسيس شبكة أمان اقتصادية وصناعية من جهة أخرى. كما تتزامن هذه التحركات مع تقلبات البيئة الدولية والإقليمية، بما في ذلك مخرجات الاستحقاقات الانتخابية في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وما قد تفرزه من تحولات في السياسات الإقليمية تفرض على دول المنطقة تعزيز اعتمادها على التنسيق الذاتي والقدرات الإقليمية المستقلة.
تتقاطع الرؤى بين دمشق والرياض حول وجود مخاطر أمنية ممتدة فرضتها أنشطة الفاعلين من غير الدول والشبكات الموالية لإيران في المنطقة:
التنسيق ضد المخاطر المتقاطعة: بينما تواجه سوريا تهديدات مباشرة تتصل بنشاط حركة “حزب الله” والشبكات التابعة لها، تواجه السعودية خطراً مستمراً من جانب جماعة “الحوثيين”. هذا التقاطع في التهديدات يفرض على الطرفين تعزيز مستويات التنسيق الاستخباري والعسكري.
إدارة سيناريوهات التصعيد: تبرز المخاوف من لجوء طهران — حال تعرضها لضربات عسكرية — إلى توظيف أذرعها في العراق ولبنان واليمن لشن هجمات قد تطول أمن سوريا والأردن والسعودية. وفي هذا السياق، بادرت دمشق بنشر وحدات من الجيش السوري على الحدود مع العراق ولبنان ضبطاً للحدود ومنعاً لاستغلالها.
التعاون الدفاعي وتفنيد الشائعات: رداً على ما يُثار حول احتمال إرسال قوات سورية إلى اليمن، تؤكد القراءات التحليلية استبعاد هذا الطرح، مع التركيز بدلاً من ذلك على مبدأ أن “أمن السعودية جزء لا يتجزأ من أمن سوريا”، وتوجيه الجهود نحو تعزيز أطر الدفاع المشترك وتأمين الحدود السورية في المرحلة الانتقالية الحالية.
شكل الحديث عن احتمال انضمام سوريا إلى “حلف مكة” — الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان — أحد أبرز محاور النقاش السياسي حول مستجدات العلاقات:
الاستثمار وإعادة الإعمار.. إعادة ترتيب الأولويات
على الصعيد الاقتصادي، تتحول المقاربة بين دمشق والرياض من منطق المساعدات والمنح التقليدية إلى مفهوم الشراكات الاستثمارية التنموية:
أولويات الأمن على الاقتصاد: أدّت التوترات الإقليمية والمخاطر العسكرية الراهنة إلى تقديم الملفات الأمنية والحيوية على الملفات الاستثمارية، وهو ما تسبب في تأجيل مؤتمر إعادة إعمار سوريا تفادياً لتقديم تعهدات مالية تصطدم بعدم استقرار البيئة الاستثمارية.
استمرارية المشاريع الاستراتيجية: رغم تباطؤ القطاع الخاص بسبب المخاطر الإقليمية، لا يوجد قرار سياسي بتجميد الاستثمارات، بل يستمر العمل على مشروعات الشراكة الممكنة، مثل:
مد خطوط الاتصالات: مشروع تمرير كابلات الإنترنت عبر الأراضي السورية.
الربط السككي: دراسة مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا مروراً بسوريا.
الخدمات اللوجستية: تفعيل موقع سوريا الجغرافي كمركز ترانزيت وإمداد إقليمي.
تؤكد زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى الرياض أن العلاقات السورية-السعودية تتجه نحو صياغة تحالف استراتيجي متكامل، يتجاوز الحلول المؤقتة إلى بناء مصفوفة أمنية واقتصادية قادرة على الصمود أمام التحديات الإقليمية وتأمين المصالح المشتركة للبلدين.










