في خطوة استراتيجية تعكس تحولاً ملموساً ونوعياً في مسار العلاقات الثنائية بين سوريا والعراق، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الأربعاء في مطار دمشق الدولي، رئيسَ مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي، في زيارة رسمية رفيعة المستوى حملت أبعاداً اقتصادية وسياسية وأمنية عالية الأهمية.
تأتي هذه الزيارة لتترجم التفاهمات الأخيرة بين البلدين إلى خطوات عملية؛ إذ لم تقتصر المحادثات على مجاملات البروتوكول، بل شهدت اجتماعات موسعة بحضور وفدين رفيعي المستوى. فمن الجانب السوري، شارك وزراء الخارجية والعدل والطاقة والمالية، بينما ضمّ الجانب العراقي نائب رئيس الوزراء لشؤون الاقتصاد، وزراء الخارجية والمالية والنفط والعدل، ما يؤكد أن ملفات اللقاء تتجاوز التشاور السياسي إلى رسم شراكة ملموسة على الأرض.
في صدارة الملفات المطروحة، برز الملف الاقتصادي وبشكل خاص قطاع الطاقة؛ حيث ناقش الجانبان إعادة تشغيل وتأهيل خط أنابيب بانياس لنقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، بطاقة تصديرية طموحة تصل إلى مليوني برميل يومياً.
يمثل هذا المشروع حجر الزاوية في المباحثات؛ فهو يمنح العراق منفذاً استراتيجياً حيوياً لتنويع مسارات تصدير نفطه باتجاه الأسواق الأوروبية والمتوسطية، بينما يوفر لسوريا مكاسب اقتصادية وتنسيقاً أعمق في مجالات الطاقة.
مثلث المكتسبات: التجارة، الزراعة، والأمن الغذائي
ولم تتوقف الطموحات الاقتصادية عند حدود النفط والغاز، بل امتدت لتشمل قطاعات حيوية أخرى:
رفع حجم التبادل التجاري: العمل على رفع التبادل التجاري عبر المعابر الحدودية وتسهيل حركة البضائع.
التكامل الزراعي: إطلاق مشاريع مشتركة لتطوير القطاع الزراعي، بهدف تعزيز الأمن الغذائي المتبادل ومواجهة التحديات المائية والمناخية.
الأمن والتنسيق الحدودي: المضي قدماً في تأهيل المعابر الحدودية وتعزيز التعاون الأمني وتأمين الحدود الممتدة بين البلدين، ومكافحة الإرهاب لضمان بيئة استثمارية وآمنة.
وفي هذا الصدد، أشار رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى عُرق الروابط التاريخية قائلاً: “الشعبان العراقي والسوري شعب واحد في بلدين… ونعمل على تطوير الشراكة في مختلف المجالات وتوحيد المواقف تجاه القضايا الإقليمية والدولية بما يخدم السلام والاستقرار.”
تأتي زيارة دمشق كحلقة في سلسلة حراك دبلوماسي عراقي نشط، أعلنه الناطق باسم الحكومة العراقية، الدكتور حيدر العبودي، مؤكداً أن هذه الزيارة تعبر عن رؤية بغداد القائمة على الانفتاح والتوازن وتغليب لغة الحوار.
وكان هذا اللقاء امتداداً لاجتماعات سابقة جرت بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس الوزراء العراقي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال أيلول الماضي، بالإضافة إلى رؤية الشرع التي طرحها مؤخراً، والتي شدد فيها على أن الروابط الاقتصادية والأمنية هي الضامن الأساسي لاستدامة العلاقات الأخوية وبنائها على أرضية صلبة بعيداً عن التقلبات والتجاذبات السياسية.
النظرة المستقبلية
تؤكد المعطيات الصادرة عن المباحثات أن دمشق وبغداد تتجهان نحو مرحلة جديدة عنوانها “التكامل الاقتصادي والتنسيق الجيوسياسي”. إن تحويل جغرافية الجوار إلى فرص استثمارية وشراكات مستدامة سيعود بالنفع المباشر على الشعبين، ويشكل ركيزة أساسية لترسيخ الأمن والاستقرار في منطقة تتطلب مزيداً من التكاتف لمواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية الراهنة.










