شكّل الاجتماع الذي عُقد في 9 كانون الثاني/يناير 2026 في العاصمة السعودية الرياض نقطة تحوّل مفصلية في مسار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش، ليس فقط من حيث مضمونه السياسي والأمني، بل من حيث رمزيته الاستراتيجية أيضاً. فقد شهد الاجتماع المشاركة السورية الأولى منذ تأسيس التحالف عام 2014، وذلك بعد انضمام سوريا رسمياً إليه في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 كعضو رقم 90.
الاجتماع الذي ترأسه كلٌّ من نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، والسفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا توم باراك، عكس بوضوح أن الملف السوري أصبح في صدارة أولويات التحالف، وأن مرحلة جديدة بدأت تتشكل في طريقة إدارة الحرب على الإرهاب داخل الأراضي السورية.
أولويات جديدة: تمكين الحكومة السورية
البيان الختامي للاجتماع أظهر تحولاً نوعياً في استراتيجية التحالف، إذ باتت الأولوية لدعم الحكومة السورية لتتولى القيادة الوطنية الكاملة لجهود مكافحة تنظيم داعش. ويتضمن ذلك:
استلام إدارة مرافق الاحتجاز التي تضم مقاتلي التنظيم.
تولي مسؤولية مخيمات النازحين، ولا سيما مخيمي الهول وروج.
تسريع عملية نقل المعتقلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية.
إعادة إدماج عائلات التنظيم في مجتمعاتها بعد تفكيك المخيمات.
هذا التوجه يعكس قراراً عملياً بطيّ أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السوري، وهو ملف السجون والمخيمات التي كانت تشكّل عبئاً أمنياً وإنسانياً وسياسياً على حد سواء. كما يشير إلى بدء تنفيذ خطة مرحلية لنقل عدد من المعتقلين إلى العراق، تمهيداً لإغلاق هذا الملف بالكامل داخل سوريا.
نهاية مرحلة… وبداية أخرى
التحول في دور الحكومة السورية داخل التحالف يحمل في طياته انعكاسات مباشرة على واقع شمال شرق سوريا. فمنذ عام 2014، كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الشريك المحلي الرئيسي للتحالف في الحرب ضد داعش. إلا أن البيان الأخير يعكس اقتراب نهاية هذه الشراكة، وتحول الملف إلى شأن داخلي سوري بحت.
ومع اكتمال نقل المعتقلين وتفكيك المخيمات، تبدو ملامح انسحاب أمريكي تدريجي من سوريا أكثر وضوحاً، إذ إن بقاء القوات الأمريكية بعد إعلان هزيمة داعش عسكرياً عام 2019 كان مرتبطاً أساساً بحماية السجون والمخيمات.
ويتوقع أن يترافق هذا الانسحاب مع خطوتين بارزتين:
سحب الأسلحة التي زود بها التحالف قوات قسد، تفادياً لاستخدامها في أي صراع داخلي محتمل.
إيقاف التمويل السنوي الأمريكي لقسد، مع احتمال إعادة توجيه أي دعم مستقبلي حصراً إلى الحكومة السورية بصفتها الشريك الرسمي في مكافحة الإرهاب.
الرسائل السياسية في البيان الختامي
رغم إشادة التحالف بالتضحيات التي قدمتها قسد خلال الحرب ضد داعش، فإن هذه الإشارة تبدو أقرب إلى ختام مرحلة منها إلى تأكيد استمرار شراكة. فالقضية الكردية المسلحة، بعد هذا الاجتماع، لم تعد ملفاً دولياً بقدر ما أصبحت ملفاً سورياً داخلياً، يُنتظر أن يُعالج ضمن ترتيبات الاندماج المدني والعسكري، وتنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار الدائم.
ويبرز هنا فارق جوهري: الحكومة السورية حضرت الاجتماع كشريك كامل العضوية منذ اللحظة الأولى لانضمامها، في حين لم تُمنح قسد، طوال سنوات تعاونها العسكري مع التحالف، صفة تمثيلية سياسية داخل اجتماعاته الرسمية. هذا المعطى يحمل رسالة واضحة مفادها أن الدعم الدولي كان ذا طبيعة عسكرية ظرفية، ولم يكن يوماً التزاماً بمشروع سياسي مستقل.
ما جرى في الرياض لا يمكن قراءته بوصفه اجتماعاً دورياً فحسب، بل باعتباره إعادة صياغة لمعادلة النفوذ في سوريا. فانتقال مركز الثقل من الشراكات الميدانية غير الرسمية إلى شراكة حكومية مباشرة يعكس تحولاً في حسابات العواصم المؤثرة، ورغبة في إنهاء مرحلة “الإدارة المؤقتة” للملف السوري في شمال شرق البلاد.
كما أن رعاية الولايات المتحدة وفرنسا للمفاوضات الجارية حالياً تبدو أقرب إلى ضمان تنفيذ سلمي للاتفاقات، وليس إلى تبني مشروع سياسي منفصل. وفي حال تأخر تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، قد يعتبر ذلك تهديداً للاستقرار الإقليمي، ما قد يدفع التحالف لاتخاذ مواقف أكثر صرامة.
الحضور السوري الأول في اجتماع التحالف الدولي لا يمثل مجرد انضمام شكلي، بل يعكس انتقالاً من مرحلة مكافحة تنظيم إرهابي عابر للحدود إلى مرحلة إعادة تثبيت الدولة وسيادتها على كامل أراضيها.
وبينما تُطوى صفحة المخيمات والسجون، وتُعاد هيكلة الشراكات العسكرية، يبدو أن المشهد السوري يتجه نحو إعادة ترتيب داخلي عميق، عنوانه الأبرز: حصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء الأطر الموازية، وإغلاق ملف الحرب على داعش بوصفه ملفاً دولياً مفتوحاً.
إنه تحول استراتيجي تتجاوز أبعاده الجغرافيا السورية، ليطال توازنات إقليمية أوسع، ويؤسس لمرحلة سياسية وأمنية جديدة في الشرق الأوسط.












