في ظل التطورات السياسية والأمنية المتسارعة في شمال شرق البلاد، يبرز الاتفاق الأخير بين دمشق و**قوات سوريا الديمقراطية** بوصفه محطة مفصلية قد تعيد رسم ملامح النفوذ في المنطقة. غير أن هذا الاتفاق، بما يحمله من غموض في آليات التنفيذ، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول احتمالية عودة نموذج “المربعات الأمنية” الذي كان سائداً في سنوات سابقة، لا سيما في محافظة الحسكة.
فهل نحن أمام مرحلة انتقالية نحو مركزية شاملة؟ أم أن المنطقة مقبلة على إعادة إنتاج صيغة مزدوجة تجمع بين إدارة مدنية بيد “قسد” وحضور أمني حكومي محدود؟
مع بدء انسحاب وحدات من الجيش السوري من محيط مدينة الحسكة وخطوط التماس مع “قسد”، دخل الاتفاق حيز التنفيذ العملي، حيث جرى الاكتفاء بنشر قوات الأمن الداخلي في بعض المناطق، بدلاً من الوجود العسكري المباشر.
وبحسب تصريحات هيئة العمليات في الجيش لوكالة وكالة الأنباء السورية سانا، فإن هذه الخطوة تأتي في إطار مراقبة تطبيق الاتفاق وتقييم التزام الطرفين به، وسط إشارات إلى “خطوات إيجابية” من جانب “قسد”.
غير أن هذا النمط من الانتشار، القائم على الحضور الأمني دون سيطرة عسكرية كاملة، أعاد إلى الأذهان تجربة “المربعات الأمنية” التي سادت في فترات سابقة.
يرى باحثون ومحللون أن الاتفاق الحالي قد ينزلق، في حال غياب سقف زمني واضح ومسار سياسي محدد، نحو نموذج قريب من المربعات الأمنية، حيث تتخلل مناطق النفوذ غير الحكومي جيوب أمنية تابعة للدولة.
ويقوم هذا النموذج على وجود مناطق خاضعة لإدارة “قسد”، تتخللها نقاط أمنية حكومية متغيرة وغير مستقرة، كما كان الحال سابقاً في الحسكة ومدينة عين العرب.
وتتمثل أبرز أوجه التشابه مع التجربة السابقة في:
التركيز على الترتيبات الأمنية دون وضوح إداري.
غموض آليات الدمج بين القوات.
تضارب التصريحات حول مدة بقاء القوى الأمنية ومهامها.
في المقابل، تختلف الحالة الحالية نسبياً من حيث غياب السيطرة الأمنية المستقلة الكاملة للحكومة داخل مربعات محددة، وعدم تسليم الإدارة المدنية بشكل فوري، وهو ما يجعل النموذج الجديد أكثر مرونة، لكنه أكثر تعقيداً أيضاً.
وفق بعض القراءات، لا تسعى “قسد” بالضرورة إلى إعادة إنتاج النموذج القديم بحذافيره، بل تحاول دفع الاتفاق باتجاه ترتيبات أمنية محدودة، تضمن لها الحفاظ على نفوذها العسكري والإداري داخل مؤسسات الدولة.
ويهدف هذا التوجه إلى إعادة إدماج مشروعها ضمن بنية الدولة السورية، بعد تراجع الغطاء الدولي، بحيث يتحول وجودها إلى “كيان معاد إنتاجه” بغطاء رسمي. غير أن هذا النموذج، في حال ترسيخه، قد يشكل تحدياً كبيراً للحكومة مستقبلاً في مسار تفكيكه أو إعادة هيكلته.
نحو لامركزية أمنية وإدارية؟
من زاوية أخرى، يلفت محللون إلى أن غموض الاتفاق يسمح لكل طرف بتفسيره بما يخدم مصالحه، ما قد يقود إلى صيغة جديدة من اللامركزية، لا تقتصر على الإدارة، بل تمتد إلى المجال الأمني أيضاً.
وفي هذا السيناريو، قد تشهد مناطق ذات كثافة غير كردية تمركزاً حكومياً أكبر، بينما تبقى مناطق أخرى تحت نفوذ “قسد”، ضمن إطار تنسيقي هش.
ويُتوقع أن تلعب قوات “الأسايش” دوراً محورياً في هذا النموذج، من خلال اندماجها التدريجي في أجهزة الأمن العام، بما يكرّس نوعاً من “اللامركزية المحمية أمنياً”.
كما يرجّح أن يتم تعميم هذا النموذج لاحقاً في محافظات أخرى مثل السويداء، مع توسيع صلاحيات المحافظين، مراعاةً لخصوصيات كل منطقة.
الموقف التركي والدور الأميركي
لا يمكن فصل مستقبل الاتفاق عن الموقف الإقليمي، وعلى رأسه موقف تركيا، التي ترفض من حيث المبدأ أي صيغة تسمح بوجود كيان مسلح مستقل شمال شرق سوريا.
وترى أنقرة أن النموذج الأمثل يتمثل في سيطرة مركزية كاملة للحكومة السورية على مدن رئيسية مثل القامشلي و**القامشلي** والحسكة.
إلا أن الواقع الحالي يشير إلى قبول تركي مرحلي، في ظل وجود الضامن الأميركي، الذي لا يقتصر دوره على الوساطة، بل يمتد إلى رسم التفاهمات الإقليمية وتنسيقها.
توافق إقليمي نحو مركزية شاملة؟
في مقابل الطروحات السابقة، يرى فريق آخر من المحللين أن العودة إلى المربعات الأمنية أو تكريس اللامركزية أمر مستبعد، في ظل وجود توافق دولي وإقليمي على بسط سيطرة الحكومة السورية على كامل الجغرافيا الوطنية.
ويستند هذا الرأي إلى أن الدول العربية وتركيا لن تقبل بوجود جيشين أو منظومتين أمنيتين في منطقة استراتيجية متاخمة لثلاثة حدود دولية: سوريا وتركيا والعراق.
وبناءً على ذلك، يُتوقع أن يكون المسار النهائي للاتفاق هو الانتقال التدريجي نحو نموذج مركزي شامل، يدمج القوات والإدارات ضمن بنية الدولة، ويرفض أي شكل من أشكال المحاصصة أو التقاسم الأمني طويل الأمد.
خاتمة:
يبدو الاتفاق بين دمشق و“قسد” اليوم محكوماً بمرحلة انتقالية معقّدة، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والإقليمية. ففي المدى القريب، قد تعود بعض ملامح “المربعات الأمنية” بصيغة مرنة ومعدّلة، كحل واقعي لإدارة التوازنات.
أما على المدى البعيد، فإن الاتجاه العام، وفق أغلب المؤشرات، يميل نحو إعادة فرض المركزية التدريجية، وإنهاء أي صيغة مزدوجة في السلطة.
ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بوضوح الاتفاق، وبناء الثقة بين الأطراف، وقدرتها على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى مشروع سياسي وأمني مستدام، يحفظ استقرار المنطقة ويجنبها العودة إلى دوامات الصراع القديمة.











