في مشهد يحمل أبعاداً سياسية ووطنية لافتة، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم الثلاثاء، وفداً من المجلس الوطني الكردي في قصر الشعب بدمشق، في لقاء يُنظر إليه على أنه خطوة متقدمة ضمن مسار إعادة تنظيم العلاقة بين الدولة السورية والمكوّن الكردي، على أسس دستورية ووطنية جامعة.
اللقاء، بحسب ما أعلنت الرئاسة السورية، جاء في توقيت حساس تشهده الساحة السورية، وسط حراك سياسي متسارع ومساعٍ رسمية لاحتواء الملفات الخلافية عبر الحوار، بعيداً عن منطق التصعيد أو فرض الوقائع بالقوة.
وخلال الاجتماع، أكد الرئيس الشرع التزام الدولة السورية بضمان حقوق المواطنين الأكراد، ضمن إطار الدستور، وبما يحفظ الخصوصية الثقافية والاجتماعية، ويعزز مبدأ المواطنة المتساوية ووحدة الأراضي السورية.
هذا التأكيد الرئاسي حمل رسائل تطمين واضحة، عكست توجهاً رسمياً للتعامل مع القضية الكردية باعتبارها جزءاً أصيلاً من الشأن الوطني العام، وليس ملفاً منفصلاً أو هامشياً، مع التشديد على أن الحلول يجب أن تنطلق من المرجعية الدستورية والمؤسسات الشرعية للدولة.
المرسوم 13…
من جانبه، عبّر وفد المجلس الوطني الكردي عن ترحيبه بالمرسوم الرئاسي رقم (13)، معتبراً إياه محطة مهمة في مسار تعزيز الحقوق الثقافية والاجتماعية، وصون الخصوصية القومية ضمن الإطار الوطني السوري.
وأكد الوفد أن المرسوم يشكل أرضية مناسبة لبناء الثقة، ويفتح المجال أمام معالجة ملفات عالقة منذ سنوات، بما يسهم في تخفيف الاحتقان وتهيئة مناخ ملائم لحوار وطني جاد ومستدام.
ويأتي اللقاء الرئاسي بعد يوم واحد فقط من اجتماع جمع وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، بوفد من المجلس الوطني الكردي برئاسة محمد إسماعيل في دمشق، حيث جرى بحث عدد من القضايا المرتبطة بالتطورات السياسية والميدانية، وسبل الدفع باتجاه حلول سياسية شاملة.
وتعكس هذه اللقاءات المتتالية رغبة رسمية في فتح قنوات تواصل متعددة المستويات، وعدم حصر الحوار في إطار واحد، بما يعزز فرص الوصول إلى تفاهمات أوسع وأكثر استقراراً.
في سياق متصل، كان المجلس الوطني الكردي قد وصف الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في 30 كانون الثاني الماضي بأنه خطوة مهمة، مشدداً على ضرورة التعامل معه بمسؤولية وتنفيذه بجدية واستدامة.
ورأى المجلس أن الاتفاق، إلى جانب المرسوم الرئاسي رقم (13)، يمكن أن يشكلا مدخلاً حقيقياً لإطلاق حوار وطني شامل بين الحكومة السورية وممثلي الشعب الكردي، يهدف إلى تحقيق الحقوق المشروعة، ورفع المظالم التاريخية، وتثبيت هذه الحقوق ضمن الأطر الدستورية.
وفي موقف يعكس تبايناً واضحاً داخل المشهد الكردي، كشف مصدر مطّلع أن المجلس الوطني الكردي حذّر قائد “قسد” مظلوم عبدي من الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مع الحكومة السورية، معتبراً أن هذا الخيار ستكون له نتائج كارثية على الأكراد السوريين.
وبحسب المصدر، أكد المجلس خلال لقاء عُقد في محافظة الحسكة رفضه المطلق للحل العسكري، ودعوته إلى دعم جميع الجهود السياسية المحلية والإقليمية والدولية لإنجاح الاتفاقات القائمة، وحل الخلافات عبر الحوار والتفاوض.
كما حمّل المجلس “قسد” و”حزب الاتحاد الديمقراطي” مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في شرق البلاد، نتيجة التفرد باتخاذ قرارات مصيرية تمس مستقبل الأكراد دون توافق وطني جامع.
تطورات ميدانية تحت سقف الاتفاق
ميدانياً، بدأت قوى الأمن الداخلي خلال الأيام الماضية بالدخول إلى مدن الحسكة والقامشلي ومنطقة الشيوخ جنوب عين العرب، في إطار تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”، وسط متابعة رسمية لمسار التنفيذ.
وفي هذا الإطار، أكد الباحث الاستراتيجي في وزارة الخارجية عبيدة غضبان أن تنفيذ الاتفاق يسير بشكل إيجابي، مشيراً إلى وجود رغبة مشتركة بإنجاحه، مع التشديد على أن عملية دمج “قسد” يجب أن تقوم على بناء الثقة والتفاهم، لا على الضغوط أو الإكراه.
تعكس هذه التطورات مجتمعة مرحلة جديدة من التعاطي مع الملف الكردي في سوريا، عنوانها الأساسي الحوار تحت سقف الدولة والدستور. وبين الرغبة الرسمية في احتواء التوتر، وسعي بعض الأطراف لتكريس وقائع ميدانية، يبقى نجاح هذه المسارات مرهوناً بصدق النوايا والالتزام العملي بالاتفاقات المعلنة.












