في عالمٍ تجمّدت فيه القيم الإنسانية تحت وطأة المصالح الجيوسياسية الباردة، لم يعد القانون الدولي سوى “قفاز مخملي” يغطي قبضة القوى العظمى الحديدية. إن المشهد السينمائي الذي هز العالم بعملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته في عملية عسكرية أمريكية خاطفة، ليس مجرد واقعة أمنية عابرة، بل هو صرخة في وجه التبريرات القانونية الهشة، وتذكير صارخ بأن السيادة الوطنية في العرف الدولي المعاصر ليست حقاً أصيلاً، بل هي “امتياز” مؤقت يمنحه القوي لتابعيه، ويسحبه متى انتهت مدة صلاحيتهم.
إن ما جرى في كراكاس يمثل استنساخاً حرفياً لنمط تاريخي من التدخلات الأحادية التي تنتهجها واشنطن. هذا السيناريو يعيدنا بالذاكرة إلى عام 1989، حين اجتاحت القوات الأمريكية بنما في عملية أُطلق عليها “القضية العادلة” لاعتقال مانويل نورييغا.
المفارقة التاريخية هنا تكمن في أن نورييغا كان يوماً الحليف المدلل و”عين” المخابرات الأمريكية في المنطقة، لكنه حين قرر التغريد خارج السرب، تحول فجأة في ليلة وضحاها إلى “طاغية وتاجر مخدرات” مطلوب للعدالة في فلوريدا. هذا النمط تكرر في غرينادا 1983 تحت ذريعة حماية المدنيين، وفي العراق 2003 تحت كذبة “أسلحة الدمار شامل”. في كل تلك المحطات، كانت القوة هي التي تخلق الحق، وكان القانون الدولي مجرد “هامش” يُضرب به عرض الحائط إذا تعارض مع أجندة البيت الأبيض.
إن التحرك السريع والحاسم ضد مادورو، الذي لم يستغرق سوى ساعات معدودة من التحليق المكثف لمروحيات “القوات الخاصة”، يضعنا أمام مقارنة مؤلمة وكاشفة لعورة النظام العالمي. هذا التحرك يقف في تناقض فجّ مع الصمت المطبق الذي استمر لأكثر من أربعة عشر عاماً تجاه بشار الأسد.
تجارة الموت: إذا كان تبرير اعتقال مادورو هو التورط في تجارة المخدرات، فإن الأسد قد حوّل سوريا إلى “ثقب أسود” لإنتاج الكبتاغون وتصديره للعالم، حتى وصلت سمومه إلى شواطئ أوروبا والخليج وحتى أمريكا. ومع ذلك، لم ترسل “قوة دلتا” لاعتقاله، بل ظل محمياً بـ “فيتوهات” دولية ومصالح متقاطعة.
جرائم الإبادة: ارتكب الأسد جرائم تفوق بمراحل ما نُسب لمادورو أو نورييغا؛ من قصف الكيماوي إلى تصفية المليون سوري وتهجير نصف الشعب. ومع ذلك، اكتفى المجتمع الدولي ببيانات “القلق” الخجولة، مما يثبت أن العدالة الدولية هي عدالة انتقائية بامتياز.
الأمم المتحدة: مؤسسة لتشريع العجز
في هذا المشهد، تظهر الأمم المتحدة كعادتها، هيكلاً مشلولاً لا يملك من أمره شيئاً سوى الاستنكار الذي لا يغير من موازين القوى ذرة واحدة. لقد أصبحت المنظمة الدولية التي أُسست لحفظ السلم والأمن مجرد “شاهد زور” على موت الضمير العالمي. إنها عاجزة عن تطبيق ميثاقها إلا على الضعفاء، أو على أولئك الذين رفعت القوى العظمى الغطاء عنهم، لتتحول من “منصة للعدالة” إلى “مقصلة سياسية” تُستخدم لتصفية الحسابات.
الدرس السوري: حين تفرض الشعوب قانونها الخاص
إن المقارنة بين فنزويلا وسوريا تحمل درساً بليغاً لكل زعيم وكل شعب:
للزعماء: القانون الدولي لن يحميك إذا قرر الكبار إقصاءك، مهما كنت حليفاً سابقاً.
للشعوب: المجتمع الدولي لن ينصفك ما لم تملك القوة لفرض إرادتك.
إن انتصار الثورة السورية، في جوهره العميق، كان انتصاراً على الإرادة الدولية قبل أن يكون انتصاراً على نظام دمشق. لقد كسر السوريون هذا الصمت المخزي بدمائهم، وأثبتوا أن الإرادة الحرة للشعوب هي القوة الوحيدة القادرة على مواجهة جبروت الطغاة وتواطؤ الكبار.
خاتمة: الحق الذي لا تسنده القوة
يظل التاريخ يسجل بمداد من حقيقة مُرّة: أن العدالة كانت دائماً حليفة القوي. إن “خطف” مادورو هو رسالة قوة، والسكوت عن جرائم الأسد لسنوات كان رسالة خذلان.
طوبى للثائرين السوريين الأبطال؛ أولئك الذين لم ينتظروا عدالة دولية نائمة في أروقة الفنادق، بل أخذوا حقهم بصلابة إيمانهم وفرضوا وجودهم على خارطة العالم بالقوة. لقد علموا العالم أن “الحق الضائع” لا يُسترد بالبيانات، بل بالإرادة التي لا تنكسر.











