بعد مرور عام على تشكيل الحكومة السورية الانتقالية في 29 آذار 2025، لم يعد السؤال مقتصراً على شكل هذه الحكومة أو تركيبتها، بل تجاوز ذلك إلى جوهر أدائها: هل تمضي سوريا نحو بناء دولة حقيقية، أم أن التجربة لا تزال عالقة في إطار إدارة انتقالية تعاني من التعثر؟
منذ لحظة الإعلان، حملت الحكومة وعوداً كبيرة، جمعت بين الطموح السياسي والإصلاح الاقتصادي، لكنها اليوم تواجه اختبار الواقع، حيث تتكشف الفجوة بين الخطاب والتنفيذ بشكل أكثر وضوحاً.
تشكّلت الحكومة من 23 وزيراً دون تعيين رئيس للوزراء، في صيغة هدفت إلى خلق توازن بين التكنوقراط والسياسيين، مع تمثيل محدود لمكونات متعددة. وقد سعت هذه التركيبة إلى تحقيق هدفين متوازيين: تعزيز الشرعية الداخلية وطمأنة المجتمع الدولي.
رفعت الحكومة منذ البداية شعارات مكافحة الفساد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الاقتصاد، إلى جانب وعود بإصلاح نقدي ودعم الإنتاج وتحسين الخدمات الأساسية. لكن بعد عام، يبدو أن هذه الأهداف لم تتحول بعد إلى نتائج ملموسة، ما يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب هذا التعثر.
صناعة القرار: من التوازن إلى الانغلاق
أحد أبرز التحديات التي ظهرت خلال العام الأول يتعلق بآلية صنع القرار داخل الحكومة. فالتوازن الذي اعتُبر في البداية نقطة قوة، تحوّل تدريجياً إلى مصدر إرباك، مع بروز نمط إدارة قائم على دوائر ضيقة من النفوذ.
باتت القرارات تُصاغ ضمن نطاق محدود، تحكمه العلاقات الشخصية وشبكات الوساطة، أكثر من معايير الكفاءة والخبرة. هذا النمط انعكس سلباً على جودة السياسات، وأضعف قدرة الحكومة على التعامل مع تعقيدات المرحلة.
كما أن غياب الاجتماعات الحكومية المنتظمة بصيغتها المؤسسية أثار تساؤلات جدية حول التنسيق بين الوزارات، في وقت لا يمكن فيه إدارة مرحلة انتقالية معقدة دون عمل جماعي منظم.
اقتصادياً، لا تزال الأوضاع المعيشية تمثل التحدي الأكبر. فرغم محاولات ضبط التضخم، بقيت الأسعار مرتفعة، دون تحسن حقيقي في القدرة الشرائية للمواطنين.
تعاني البلاد من ضعف الإنتاج المحلي، وتراجع قطاعات حيوية كالصناعة والزراعة، ما أدى إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد. كما أن تقلبات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الطاقة ساهمت في تعميق الأزمة.
أما الاتفاقيات الاقتصادية التي أُعلن عنها، فلم تتجاوز في معظمها مرحلة التفاهمات، دون أن تنعكس بشكل مباشر على حياة الناس، ما جعل الاقتصاد يبدو في حالة “توازن ضعيف” بين الاستقرار الظاهري والضغط الفعلي.
الخدمات والأمن: اختبارات يومية لشرعية الدولة
في ملف الخدمات، لا تزال الحكومة تواجه صعوبات في تأمين الاحتياجات الأساسية، مثل الكهرباء والمحروقات والرعاية الصحية. وهذه الملفات تشكل المعيار الأكثر مباشرة للحكم على أي سلطة.
أمنيًا، تحقق تحسن نسبي مقارنة ببداية المرحلة، خاصة في مواجهة الخلايا المتطرفة، لكن المقاربة لا تزال في كثير من الأحيان ردّ فعل أكثر منها استباقية. كما يبقى السلاح المنفلت أحد أبرز التحديات التي تعيق استقرار الدولة.
على الصعيد القانوني، تم تنفيذ عدد من القرارات والمراسيم بسرعة، خاصة تلك المرتبطة بالملفات العاجلة. لكن هذا التنفيذ لا يعكس بالضرورة وجود منظومة قانونية متكاملة.
لا تزال القوانين تعاني من الغموض وضعف أدوات التطبيق، في ظل غياب سلطة تشريعية فاعلة، وتأخر تشكيل مجلس الشعب، ما خلق فراغًا قانونياً يحدّ من قدرة الدولة على الانتقال إلى نظام مؤسساتي مستقر.
رغم محاولات إشراك مكونات مختلفة داخل الحكومة، إلا أن هذا التمثيل بقي في كثير من الأحيان شكلياً، دون تأثير فعلي في مراكز القرار.
كما أن الاعتماد على شبكات علاقات ضيقة في التعيينات، وغياب شخصيات ذات امتداد اجتماعي حقيقي، ساهم في خلق فجوة بين السلطة والمجتمع، وأضعف من مصداقية التمثيل السياسي.
تمتلك الحكومة الانتقالية رصيداً من الشرعية السياسية والدولية، إلى جانب دعم شعبي نسبي، إلا أن هذه الشرعية لا تزال “مشروطة”، وقابلة للتآكل.
فالرهان الحقيقي لا يكمن في الاعتراف الدولي أو الخطاب السياسي، بل في القدرة على تحقيق نتائج ملموسة، سواء في الاقتصاد أو الخدمات أو الأمن.
حتى الآن، لم تنجح الحكومة في تحويل هذا الدعم إلى إنجازات واضحة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين التوقعات والواقع.
الخلاصة:
بعد عام من تشكيلها، يمكن القول إن الحكومة السورية الانتقالية نجحت في تثبيت حضورها السياسي وفتح نافذة جديدة على العالم، لكنها لم تنجح بعد في بناء نموذج حكم مستقر وفعّال.
تقف الحكومة اليوم أمام خيارين واضحين:
- إما الانتقال إلى مرحلة بناء مؤسسات حقيقية، تقوم على الشفافية والكفاءة وتقاسم السلطة،
- أو البقاء في حالة انتقالية مفتوحة، تتراكم فيها الوعود دون تحقيق فعلي.
في هذا السياق، لا يتعلق مستقبل التجربة فقط بقدرة الحكومة على البقاء، بل بقدرتها على التحول: من سلطة قائمة على الأمل، إلى دولة قائمة على الإنجاز.












