في لحظة إنسانية تختلط فيها الذاكرة بالألم، وقفت سهير أمام خبر قانوني بدا للوهلة الأولى بارقة أمل. فحين قرأت تعميم وزارة العدل السورية رقم 12 الصادر في الرابع من آذار، عاد بها الزمن إلى أربعة عقود مضت، إلى اللحظة التي فقدت فيها والدها خلال أحداث حماة عام 1982. تساءلت في صمت: هل يمكن أن يعود حق والدي بعد أربعين عاماً من الغياب؟
هذا السؤال لا يخص سهير وحدها، بل يلامس وجدان آلاف السوريين الذين فقدوا أحباءهم أو حرموا من حقوقهم خلال عقود من القمع والانتهاكات. وبينما يهدف التعميم الجديد إلى وقف سريان مدد التقادم في الدعاوى المرتبطة بتلك الانتهاكات، فإنه يفتح في الوقت ذاته نقاشاً واسعاً حول جدواه وحدوده، وما إذا كان سيمثل بالفعل خطوة نحو العدالة أم عبئاً إضافياً على الضحايا.
ينص تعميم وزارة العدل رقم 12 على وقف سريان مدد التقادم والسقوط في الدعاوى المرتبطة بانتهاكات سابقة، وذلك استناداً إلى مبدأ “القوة القاهرة”. وتشمل هذه القوة الظروف الاستثنائية التي حالت دون تمكن الضحايا من المطالبة بحقوقهم في الماضي، مثل الاعتقال التعسفي، والملاحقة الأمنية، والتهجير القسري، والخوف من الانتقام.
هذه الظروف لم تكن استثناءً في تاريخ سوريا المعاصر، بل شكلت واقعاً عاشه آلاف المواطنين طوال سنوات حكم النظام السابق. ففي ظل القبضة الأمنية المشددة، كان مجرد التفكير في رفع دعوى أو المطالبة بحق قانوني أمراً محفوفاً بالمخاطر.
كما حدد التعميم عدداً من الحالات التي يمكن اعتبارها سبباً لوقف التقادم، مثل صدور أحكام غيابية عن محكمة الإرهاب، أو وجود مذكرات توقيف، أو التعرض للاحتجاز القسري أو الاختفاء، أو الاضطرار إلى التنقل والتهجير نتيجة الظروف الأمنية.
تعكس قصة سهير الشب جانباً من المأساة التي عاشتها آلاف العائلات السورية. ففي أحداث حماة عام 1982، كان والدها عدنان الشب، وهو مدرس في الشريعة، وعمها الطبيب محمد الشب، يشاركان في إسعاف الجرحى بعد تصاعد القصف على المدينة.
تتذكر سهير تلك الأيام بوضوح مؤلم. كان منزل العائلة قد تحول إلى نقطة إسعاف ميدانية، قبل أن ينتقل والدها وعمها مع المصابين إلى قبو قريب جرى تحويله إلى مشفى مؤقت. لكن مع انتشار القناصين وانقطاع الاتصالات، انقطعت أخبارهما فجأة.
تقول سهير إن والدتها سمعت في تلك اللحظة صوت والدها يصرخ في الحي: “الله أكبر عليكم”، قبل أن يتبع ذلك إطلاق نار كثيف. ومنذ تلك اللحظة، اختفى الأب والعم، دون أن تعرف العائلة مصيرهما.
على مدى سنوات حكم النظام السابق، أمضت والدة سهير سنوات طويلة في البحث عن زوجها وشقيقه في السجون والأفرع الأمنية، دون أن تجد أثراً لهما. وحتى بعد سقوط النظام وفتح السجون، بقي الأمل قائماً، قبل أن يتم رفع صورهما عام 2025 ضمن تكريم شهداء المجزرة في ساحة العاصي.
تقول سهير اليوم:
“تم رد الاعتبار لوالدي وعمي، لكن من سيعوض والدتي عن سنوات الصبر؟ ومن سيعوضنا عن الأب والعم؟ ربما تكون الدعوى القضائية أقل ما يمكن أن أقدمه وفاءً لوالدتي”.

الاختفاء القسري… جريمة مستمرة
من منظور القانون الدولي، لا يُعد الاختفاء القسري جريمة عادية يمكن أن تسقط بمرور الزمن. فبحسب العديد من الفقهاء القانونيين، تُعد هذه الجريمة مستمرة طالما لم يُكشف عن مصير الضحية أو مكان وجودها.
ويشير مختصون في القانون الدولي إلى أن مدة التقادم لا تبدأ في مثل هذه الحالات إلا بعد انتهاء حالة الاختفاء، أي بعد معرفة مصير الشخص المختفي. وقد تبنت العديد من المحاكم الدولية هذا المبدأ، باعتباره وسيلة لمنع إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب.
وفي هذا السياق، ينسجم تعميم وزارة العدل مع مبادئ العدالة الانتقالية التي تهدف إلى تحقيق الإنصاف للضحايا وضمان عدم الإفلات من العقاب، خاصة في المجتمعات الخارجة من مراحل الاستبداد أو النزاعات.
رغم الأهداف المعلنة للتعميم، فإن تطبيقه العملي يواجه عدداً من التحديات المعقدة. فإحياء آلاف القضايا المرتبطة بانتهاكات حدثت قبل سنوات طويلة قد يضع الجهاز القضائي أمام عبء كبير، خصوصاً في ظل مرحلة إعادة بناء المؤسسات بعد سنوات من الحرب.
إضافة إلى ذلك، يواجه العديد من الضحايا صعوبة في تحديد المسؤولين عن الانتهاكات التي تعرضوا لها. فالكثير من المعتقلين السابقين، على سبيل المثال، لم يكونوا يعرفون هوية الضباط أو العناصر الذين قاموا باعتقالهم أو تعذيبهم، بسبب تعصيب أعينهم أثناء الاحتجاز.
أحد المعتقلين السابقين في سجن صيدنايا يروي أنه اعتقل عام 2015 نتيجة تقرير كيدي، وتنقل بين عدة أفرع أمنية دون أن يعرف التهمة الموجهة إليه. ويقول:
“لا أعرف كيف يمكنني إثبات حقي اليوم. لم أكن أرى وجوه السجانين، ولا أعرف أسماءهم. فكيف يمكنني أن أحدد من المسؤول؟”.
أحد أبرز الانتقادات الموجهة للتعميم يتعلق بتحميل الضحية عبء إثبات وقوع الانتهاك. ففي كثير من الحالات، لا يملك الضحايا أي وثائق رسمية تثبت اعتقالهم أو احتجازهم، لأن الأجهزة الأمنية لم تكن تصدر أوامر توقيف قانونية.
هذا الأمر يجعل إثبات الانتهاكات أمراً شديد الصعوبة، بل شبه مستحيل في بعض الحالات. فالمعتقل الذي خرج من السجن بعد سنوات من الاحتجاز قد لا يمتلك أي دليل مادي يدعم دعواه.
ويرى ناشطون حقوقيون أن مطالبة الضحايا بتقديم أدلة رسمية قد تؤدي إلى رفض العديد من القضايا، وهو ما قد يحرم كثيرين من الاستفادة من القرار الذي يفترض أنه جاء أساساً لإنصافهم.
إشكالية شمول الضحايا
من القضايا المثارة أيضاً أن التعميم ركز في بعض بنوده على الحالات المرتبطة بالنشاط السياسي أو الثوري، الأمر الذي قد يؤدي إلى استبعاد ضحايا آخرين تعرضوا للاعتقال أو الابتزاز لأسباب مختلفة.
فكثير من السوريين اعتقلوا نتيجة تقارير كيدية، أو بهدف الابتزاز المالي، أو بسبب وجودهم في مناطق شهدت عمليات عسكرية. هؤلاء قد يجدون أنفسهم خارج نطاق الحالات التي يغطيها التعميم، رغم أنهم ضحايا لانتهاكات واضحة.
هذا الأمر يطرح تساؤلات حول مدى شمولية القرار، وما إذا كان سيحقق العدالة لجميع الضحايا أم سيقتصر على فئات محددة منهم.
من الانتقادات الأخرى التي وُجهت للتعميم أنه لم يحدد إطاراً زمنياً واضحاً لوقف التقادم. فهل يشمل الانتهاكات التي وقعت قبل عام 2011 فقط؟ أم يمتد إلى أحداث أقدم مثل مجزرة حماة عام 1982؟
كما أن بعض المصطلحات المستخدمة في نص التعميم، مثل “الجرائم المرتكبة من قبل النظام البائد” أو “الأسباب الأمنية الجدية”، تُعد مصطلحات فضفاضة قد تفتح الباب لتفسيرات قانونية مختلفة.
هذا الغموض قد يؤدي إلى تضارب في الأحكام القضائية، ويخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني إذا طبقت المحاكم التعميم بطرق مختلفة.
نجاح هذه الخطوة القانونية يعتمد إلى حد كبير على وجود إطار قانوني واضح وآليات تنفيذ فعالة. فإعادة فتح ملفات الانتهاكات تحتاج إلى مؤسسات قضائية قادرة على التعامل مع حجم القضايا وتعقيدها.
كما تحتاج إلى معايير دقيقة تحدد الحالات التي يشملها وقف التقادم، وتضمن في الوقت ذاته عدم استخدام القرار بشكل انتقائي أو سياسي.
من جهة أخرى، يحتاج الضحايا إلى وضوح في الإجراءات القانونية، وإلى قنوات رسمية يمكنهم من خلالها تقديم الشكاوى ومتابعة قضاياهم دون خوف أو تعقيد.
بين الأمل والحذر
في النهاية، يبقى تعميم وزارة العدل رقم 12 خطوة قانونية مهمة في مسار معالجة إرث الانتهاكات في سوريا. فهو يعترف، ولو متأخراً، بأن الظروف الأمنية السابقة حرمت آلاف الضحايا من حقهم في المطالبة بالعدالة.
لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لن تحقق أهدافها ما لم تُرافقها إصلاحات قانونية ومؤسساتية أوسع، تضمن تطبيقها بعدالة وشفافية.
بالنسبة لسهير الشب، قد يكون التعميم فرصة أخيرة لمحاولة استعادة حق والدها. لكنها، مثل كثير من السوريين، تدرك أن العدالة الحقيقية لا تتحقق بقرار قانوني واحد، بل بمسار طويل يعيد للضحايا حقهم في الحقيقة والمحاسبة والإنصاف.
وهكذا يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيكون وقف التقادم بداية طريق العدالة في سوريا، أم مجرد خطوة قانونية أخرى تثقل كاهل الضحايا دون أن تمنحهم ما ينتظرونه منذ عقود؟











