في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، وصل وفد رسمي برئاسة المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش إلى مدينة الحسكة للإشراف المباشر على تنفيذ “اتفاق 29 كانون الثاني” المبرم مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). هذه الزيارة لا تبدو بروتوكولية بقدر ما تعكس انتقال الاتفاق من حيز النصوص إلى ميدان التطبيق، بما يحمله ذلك من رهانات وتحديات.
ضمّ الوفد شخصيات تمثل مفاصل حساسة في بنية الدولة: مدير إدارة الشؤون السياسية، وقائد الأمن الداخلي، ومدير العلاقات في وزارة العدل، ومسؤول العلاقات في مديرية إعلام الحسكة. هذا التشكيل المتعدد الاختصاصات يشي بأن المرحلة الراهنة تتجاوز التنسيق الأمني، لتدخل في تفاصيل إدارية وقانونية وإعلامية، تتعلق بآليات الاندماج، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، ومتابعة تنفيذ البنود وفق جداول زمنية محددة.
ووفق المعرفات الرسمية، تهدف الزيارة إلى:
تسريع آليات الاندماج العسكري والإداري.
تعزيز حضور مؤسسات الدولة في الحسكة ومحيطها.
تفعيل الخدمات الحكومية المتوقفة أو الجزئية.
متابعة تنفيذ الاتفاق ميدانيًا وتذليل العقبات.
في 29 كانون الثاني، أعلنت الحكومة السورية التوصل إلى وقف إطلاق نار ضمن اتفاق شامل مع “قسد”، يتضمن عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية ضمن مؤسسات الدولة، ودخول قوات الأمن إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي، إضافة إلى تسلّم الدولة جميع المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ.
هذه البنود، إن نُفذت فعليًا، تعني إعادة رسم خارطة السيطرة شرق الفرات، وتحويل العلاقة بين دمشق و”قسد” من صيغة الأمر الواقع إلى صيغة مؤسساتية خاضعة لمرجعية الدولة المركزية. غير أن التطبيق العملي يظل التحدي الأكبر، في ظل تراكم سنوات من الإدارة الذاتية، وتعقيدات المشهد المحلي والإقليمي.
تكليف العايش… رسالة سياسية مزدوجة
إعلان مديرية الإعلام في رئاسة الجمهورية تكليف العميد زياد العايش مبعوثًا رئاسيًا لتنفيذ الاتفاق يمنح الملف بعدًا رئاسيًا مباشرًا، ويشير إلى رغبة في ضبط إيقاع التنفيذ على أعلى مستوى. كما يحمل التعيين رسالة مزدوجة: داخليًا بأن الدولة عازمة على استعادة مؤسساتها، وخارجيًا بأن مسار الدمج يتم بإشراف رسمي واضح، وليس عبر ترتيبات ظرفية.
الحسكة ليست مجرد مدينة في أقصى الشمال الشرقي، بل تمثل عقدة جغرافية واقتصادية وأمنية. فهي تضم ثروات نفطية وزراعية، وتشكيلة سكانية متنوعة، كما تقع ضمن نطاق تداخل نفوذ إقليمي ودولي. لذلك فإن أي تحول في إدارتها ينعكس على مجمل التوازنات شرق الفرات.
إعادة تفعيل مؤسسات الدولة في المدينة تعني – نظريًا – توحيد المرجعية القانونية والخدمية، وتخفيف الازدواجية في الإدارة. لكن النجاح في ذلك يتطلب معالجة ملفات شائكة، من بينها:
أوضاع العناصر العسكرية وآليات دمجهم.
تسوية الوضع القانوني للإدارات المحلية السابقة.
ضمان استمرارية الخدمات دون فراغ إداري.
احتواء أي توترات مجتمعية محتملة.
بين النص والواقع… اختبار الإرادة
يبقى السؤال الجوهري: هل يملك الطرفان الإرادة والقدرة على الالتزام الكامل ببنود الاتفاق؟ التجارب السابقة في سوريا أظهرت أن الاتفاقات قد تتعثر عند أول احتكاك ميداني أو خلاف في تفسير البنود.
زيارة الوفد الرسمي إلى الحسكة تمثل أول اختبار عملي لجدية التنفيذ. فإذا نجحت في تثبيت خطوات ملموسة على الأرض، فقد تفتح الباب أمام نموذج تسوية أوسع شرق الفرات. أما إذا اصطدمت بعقبات سياسية أو أمنية، فقد يتحول الاتفاق إلى مجرد وثيقة أخرى في أرشيف الأزمة السورية.
في المحصلة، تبدو الحسكة اليوم ساحة انتقال من مرحلة “إدارة الواقع” إلى مرحلة “إعادة الترتيب المؤسسي”. والنتائج لن تتحدد فقط بما هو مكتوب في اتفاق 29 كانون الثاني، بل بمدى القدرة على تحويله إلى واقع مستقر يوازن بين اعتبارات الدولة المركزية وتعقيدات المشهد المحلي.











