منذ سنوات، بدا أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب تحوّل تاريخي، مع اقتراب إعلان اتفاق سلام بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية. غير أن هذا المسار تعثّر، ليس مرة واحدة، بل بشكل جذري، رغم ما يُنظر إليه اليوم على أنه تراجع أو ضعف لمحور إيران وما يُسمّى بمحور “المقاومة”. المفارقة الكبرى أن المشهد اتجه بعكس المتوقع: بدل أن تمضي المملكة في مسار التطبيع، اتجهت إلى تهدئة مع إيران، ومواقف إقليمية بدت ظاهريًا متقاطعة مع قوى تصنّفها رسميًا كخصوم أو حتى كتنظيمات إرهابية.
لفهم ما يحدث، لا بد من تجاوز القراءة السطحية القائمة على فكرة “المحاور الثابتة”، والعودة إلى منطق المصالح والتاريخ السياسي للمنطقة.
نهاية منطق المحاور الصلبة
لم يعد الشرق الأوسط يُدار وفق ثنائية واضحة من الحلفاء والأعداء. فالدول الكبرى في الإقليم، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، انتقلت من سياسة الاصطفاف الأيديولوجي إلى سياسة إدارة المخاطر. التحالفات اليوم مؤقتة، والعداوات قابلة للتجميد، والهدف الأساسي لم يعد الانتصار على الخصم، بل تقليل كلفة الصراع والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
من هذا المنطلق، فإن التقارب السعودي الإيراني لا يعني تحالفًا استراتيجيًا، بل هو محاولة لتبريد الجبهات الأكثر خطورة، خصوصًا في اليمن، وفتح مساحة زمنية للتركيز على المشاريع الاقتصادية والتنموية الكبرى داخل المملكة.
لماذا توقّف مسار التطبيع؟
قبل أحداث السابع من أكتوبر، كان التطبيع السعودي الإسرائيلي يُنظر إليه كصفقة سياسية منخفضة الكلفة، يمكن من خلالها تحقيق مكاسب أمنية واستراتيجية من واشنطن، وتعزيز موقع المملكة إقليميًا ودوليًا. غير أن الحرب الواسعة التي أعقبت تلك الأحداث غيّرت المعادلة بالكامل.
أصبح التطبيع في ظل حرب مفتوحة عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا ودينيًا، مع ارتفاع منسوب الغضب الشعبي العربي والإسلامي، واحتمال تحوّل أي اتفاق إلى عامل عدم استقرار داخلي وإقليمي. وعليه، لم يكن التراجع عن مسار التطبيع ناتجًا عن قوة الخصوم، بل عن تغيّر حسابات الكلفة والربح.
الإخوان المسلمون: بين العداء والاستخدام البراغماتي
تُعد جماعة الإخوان المسلمين مثالًا صارخًا على التناقض الظاهري في سياسات الدول. فالمملكة العربية السعودية تصنّف الجماعة كتنظيم إرهابي بسبب طبيعتها العابرة للحدود وتهديدها لمفهوم الدولة الوطنية. ومع ذلك، نجد في بعض الساحات الإقليمية تفاعلات سياسية لا تستبعد قوى مرتبطة بالإخوان، سواء في السودان أو اليمن أو سوريا أو لبنان.
هذا لا يعكس تحوّلًا أيديولوجيًا، بل تعاطيًا واقعيًا مع مكوّنات موجودة على الأرض. فالسياسة لا تُدار بمنطق القبول أو الرفض المطلق، بل بمنطق الأمر الواقع وإدارة النفوذ، وهو المنطق ذاته الذي تتبعه الولايات المتحدة نفسها في تعاملها المتباين مع الجماعة من دولة إلى أخرى.
التاريخ يعيد نفسه… ولكن بصيغ جديدة
يشير التاريخ إلى أن الصراع بين المملكة وجماعة الإخوان لم يتوقف إلا في لحظات استثنائية، أبرزها الحرب في أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي. في تلك المرحلة، دعمت المملكة الإخوان والمجاهدين العرب باعتبار الشيوعية الخطر الأكبر. لكن ما إن انتهت الحرب وعاد المقاتلون، حتى تحوّلوا إلى خصوم مباشرين للدولة السعودية.
اليوم، لا يعيد التاريخ نفسه حرفيًا، لكنه يعيد إنتاج أنماط مشابهة، مع دخول لاعبين جدد مثل تركيا وقطر، وفي ظل صراع دولي مختلف تتداخل فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا. لم تعد الحروب أيديولوجية صريحة، بل صراعات نفوذ، تستخدم فيها الجماعات والدول كأدوات مرحلية.
الصين وإسرائيل: توزيع رهانات لا تحالفات
في هذا السياق، تبرز الصين كلاعب حذر يسعى إلى توسيع نفوذه دون الانخراط في صدامات مباشرة. فالعلاقة الصينية الإسرائيلية ليست تحالفًا سياسيًا أو عسكريًا، بل شراكة تقنية واقتصادية، في الوقت الذي تحرص فيه بكين على بناء علاقات متوازنة مع الدول العربية وإيران في آن واحد.
إنه منطق توزيع الرهانات في نظام دولي لم تعد تقوده قوة واحدة، بل تتقاسمه قوى متعددة، لكل منها أولوياتها وحدودها.
خاتمة
ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس عودة لمحاور قديمة، ولا انتصارًا لأيديولوجيا بعينها، ولا انهيارًا مفاجئًا لتحالفات راسخة. إنه مرحلة انتقالية معقّدة، تتسم بانعدام اليقين، وتغليب منطق إدارة الفوضى على صناعة السلام.
في هذه المرحلة، تسعى الدول إلى تقليل الخسائر، وتجميد الصراعات بدل حسمها، وانتظار تشكّل نظام إقليمي ودولي جديد. وحتى ذلك الحين، سيبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للتوازنات المؤقتة، لا للسلام الدائم ولا للحرب الشاملة.











