في خطوة وُصفت بالمفصلية على صعيد تنظيم قطاع الطاقة في شرق سوريا، أعلنت وزارة الطاقة السورية عن خطة رسمية لإيقاف عمل الحراقات التقليدية في محافظة دير الزور بشكل نهائي، في إطار جهود استعادة مؤسسات الدولة لدورها في إدارة الموارد النفطية وضبط السوق وفق القوانين النافذة.
ويأتي هذا القرار في سياق أوسع لإعادة ترتيب الواقع الخدمي والاقتصادي في المحافظة، بعد سنوات من الفوضى والغياب شبه الكامل للرقابة الرسمية، وما رافق ذلك من انتشار ممارسات غير قانونية أثّرت سلباً على البيئة وصحة السكان.
خلال اجتماع رسمي عُقد بحضور محافظ دير الزور غسان السيد أحمد، أكد وزير الطاقة المهندس محمد البشير أن الحراقات التقليدية ستتوقف عن العمل بشكل كامل، باعتبارها نشاطاً غير مشروع ولا ينسجم مع الأطر القانونية المعتمدة في البلاد.
وأوضح الوزير أن هذه الحراقات كانت تعمل لسنوات خارج سلطة الدولة، دون إشراف فني أو تنظيمي، ما جعلها بيئة خصبة للتجاوزات والمخاطر، سواء على مستوى السلامة العامة أو على مستوى الاقتصاد الوطني.
ويُعد هذا الاجتماع خطوة أولى في مسار إعادة ضبط القطاع النفطي في المحافظة، بما ينسجم مع سياسة الدولة في فرض سيادة القانون، واستعادة السيطرة على الموارد الحيوية.
أضرار بيئية وصحية جسيمة
لم يكن انتشار الحراقات التقليدية في دير الزور مجرد ظاهرة اقتصادية عشوائية، بل تحوّل مع الوقت إلى أزمة بيئية وصحية حقيقية. إذ تعتمد هذه الحراقات على طرق بدائية في تكرير النفط، تؤدي إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة.
وبحسب وزارة الطاقة، فإن هذه الانبعاثات أسهمت بشكل مباشر في تلوث الهواء والتربة والمياه، ورفعت معدلات الإصابة بأمراض خطيرة، لا سيما أمراض الجهاز التنفسي والسرطان، إضافة إلى حالات التسمم والحروق الناتجة عن ضعف معايير السلامة.
كما شهدت مناطق انتشار الحراقات حوادث متكررة من حرائق وتسربات نفطية، شكلت تهديداً دائماً لحياة السكان وممتلكاتهم.
الاعتماد على الإنتاج الحكومي الرسمي
ضمن رؤيتها للمرحلة المقبلة، أكدت وزارة الطاقة أن تأمين المشتقات النفطية سيتم حصراً عبر المؤسسات الحكومية الرسمية، التي ستتولى عمليات الإنتاج والتكرير والتوزيع وفق معايير فنية وقانونية واضحة.
وسيتم توفير الوقود للمواطنين من خلال قنوات نظامية معتمدة، بما يضمن:
استقرار الأسعار نسبياً.
تحسين جودة المشتقات النفطية.
الحد من التلاعب والاحتكار.
تعزيز ثقة المواطنين بالقطاع العام.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يمثل محاولة لإعادة بناء منظومة الطاقة على أسس مؤسساتية، بعد سنوات من الاقتصاد غير المنظم.
أحد أبرز التحديات التي تواجه قرار الإغلاق يتمثل في مصير آلاف العاملين في هذا القطاع غير النظامي، الذين اعتمدوا عليه كمصدر رزق رئيسي خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، أوضح الوزير البشير أن الوزارة تعمل على دراسة بدائل مهنية مناسبة، عبر:
إدماج عدد من العاملين في مشاريع نفطية مستقبلية.
توفير فرص تدريب وتأهيل.
دعم الانتقال إلى أنشطة مشروعة ومنظمة.
وتهدف هذه الإجراءات إلى تقليل الآثار الاجتماعية السلبية للقرار، ومنع تفاقم البطالة أو دفع العمال نحو أنشطة غير قانونية أخرى.
الحراقات في سياق الفراغ الإداري السابق
انتشرت الحراقات التقليدية على نطاق واسع في دير الزور وريفها خلال السنوات الماضية، ولا سيما في فترة سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، حيث ساد فراغ إداري ورقابي واضح، وافتقر السكان إلى بدائل نظامية لتأمين الوقود.
في ظل تلك الظروف، تحولت الحراقات إلى حل اضطراري لتلبية الاحتياجات اليومية، رغم مخاطرها، ما أسهم في ترسيخ اقتصاد موازٍ قائم على العشوائية وضعف المعايير.
ومع عودة مؤسسات الدولة، بات من الممكن إعادة ضبط هذا الواقع تدريجياً، والانتقال إلى نموذج أكثر استدامة وتنظيماً.
يمثل قرار إغلاق الحراقات التقليدية وتنظيم سوق الوقود في دير الزور جزءاً من مسار أوسع لإعادة الإعمار الإداري والاقتصادي في المحافظة، وتحسين مستوى الخدمات الأساسية.
فإلى جانب البعد البيئي والصحي، يحمل القرار أبعاداً استراتيجية تتعلق بـ:
تعزيز سيادة الدولة على الموارد الطبيعية.
مكافحة الاقتصاد غير المشروع.
دعم التنمية المحلية.
توفير بيئة استثمارية أكثر استقراراً.
غير أن نجاح هذه الخطة يبقى مرهوناً بقدرة الجهات المعنية على تنفيذها بشكل متوازن، يراعي احتياجات السكان، ويوفر البدائل العملية، ويضمن استمرارية التزويد بالمشتقات النفطية دون انقطاع.
خاتمة
يشكّل إيقاف الحراقات التقليدية في دير الزور محطة مفصلية في مسار إعادة تنظيم قطاع الطاقة في شرق سوريا، بعد سنوات من الفوضى والتلوث والمخاطر الصحية.
وبينما يعكس القرار إرادة رسمية لفرض القانون وحماية البيئة والصحة العامة، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تحويله إلى واقع مستدام، يحقق التوازن بين متطلبات التنمية، وحقوق المواطنين، وحاجات العمال، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً وتنظيماً في المحافظة.











