تمتد المنطقة الشرقية من سوريا، من ضفاف الفرات في دير الزور والرقة، إلى سهول الجزيرة في الحسكة، كواحدة من أكثر مناطق البلاد غنىً بالموارد والتنوع البشري والتاريخي. ومع ذلك، بقيت هذه المنطقة لعقود طويلة خارج أولويات التنمية، تعيش على هامش السياسات العامة، رغم دورها المركزي في الاقتصاد الوطني والنسيج الاجتماعي السوري.
اليوم، ومع دخول مرحلة جديدة بعد تحرير الجزيرة السورية، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف هذه المنطقة لا بوصفها خزّاناً للثروات، بل باعتبارها فضاءً إنسانياً وحضارياً يستحق الاستثمار في الإنسان قبل الأرض.
لم تكن معاناة دير الزور والرقة والحسكة ناتجة عن ضعف أو غياب، بل عن سياسات تنموية غير متوازنة، تعاملت مع المنطقة الشرقية بمنطق الاستفادة من الموارد أكثر من بناء المجتمعات. فبينما أسهمت هذه المحافظات بجزء كبير من إنتاج النفط والقمح والمياه، بقيت مستويات الخدمات، والتعليم العالي، والبنية التحتية، دون ما تستحقه قياساً بثقلها السكاني والاقتصادي.
هذا الواقع ترك أثراً عميقاً على المجتمعات المحلية، ودفع كثيراً من أبنائها إلى الهجرة الداخلية والخارجية بحثاً عن فرص لم تتوفر في مناطقهم.

رغم كل التحديات، حافظت المنطقة الشرقية على نسيج اجتماعي متماسك، يقوم على قيم التعاون والكرم والانتماء للأرض. كما أنتجت بيئة ثقافية غنية، كان لها حضورها في الأدب والفكر والتعليم والعمل.
أنجبت المنطقة الشرقية شخصيات علمية وأدبية ووطنية بارزة، ساهمت في الحياة السورية والعربية، في مجالات الطب والهندسة والتعليم والفكر والسياسة، رغم محدودية الدعم والمؤسسات. هذا الحضور يؤكد أن المشكلة لم تكن يوماً في الإنسان، بل في السياسات التي لم تمنحه الفرصة الكاملة.
المنطقة الشرقية هي من أقدم مناطق الاستقرار البشري في العالم. على أرضها قامت حضارات عريقة مثل ماري، وتل براك، ودورا أوروبوس، ومنها انطلقت أولى أشكال الزراعة والتنظيم الاجتماعي. هذا الإرث الحضاري يمنح المنطقة بعداً يتجاوز الاقتصاد، ويجعلها ركناً أساسياً في الهوية السورية الجامعة.
من هنا، فإن اختزال الشرق السوري في النفط أو القمح هو تبسيط مُخلّ، يتجاهل التاريخ والإنسان معاً.
إن المرحلة الراهنة تفتح باباً حقيقياً لإعادة الاعتبار للمنطقة الشرقية، عبر مشاريع تنموية شاملة تركز على التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وتمكين المجتمعات المحلية، وإشراك الكفاءات من أبناء المنطقة في صنع القرار.
التنمية المتوازنة ليست منّة، بل استثمار وطني يعود بالنفع على سوريا كلها، ويعزز الاستقرار الاجتماعي والسياسي في واحدة من أكثر المناطق حساسية وأهمية.
الشرق السوري… شريك في بناء المستقبل
دير الزور والرقة والحسكة ليست أطرافاً تنتظر المساعدة، بل شريكاً كاملاً في بناء سوريا الجديدة. إنصاف هذه المنطقة يبدأ بالاعتراف بما عانته، ويستمر بترجمة هذا الاعتراف إلى سياسات عادلة وخطط طويلة الأمد، تضع الإنسان في صلب التنمية.
فالجزيرة والفرات لم يكونا يوماً هامشاً، بل كانا وسيبقيان قلباً نابضاً من قلوب الوطن.











