في وقتٍ تتصاعد فيه وتيرة الضربات الجوية الإسرائيلية داخل سوريا، وتزداد التسريبات حول اتفاقيات دفاعية تركية-سورية قد تعيد رسم المشهد العسكري في البلاد، تلوح في الأفق ملامح مواجهة مفتوحة بين ثلاث قوى إقليمية ودولية: تركيا، إسرائيل، والولايات المتحدة. فهل نحن أمام إعادة صياغة لخريطة النفوذ العسكري في سوريا؟ أم أن هذه التحركات ستقود إلى صدام لا يمكن احتواؤه؟
تشير تقارير متواترة إلى احتمال نشوء اتفاق دفاعي غير معلن بين أنقرة ودمشق، يتضمن إنشاء قواعد جوية تركية في وسط سوريا، وتحديداً في مطار تدمر وقاعدة T4 الجوية. هذه الخطوة، إن صحت، تمثل تحوّلاً استراتيجياً حاداً، إذ تنقل تركيا من لاعب حدودي إلى فاعل مركزي في عمق الجغرافيا السورية.
تركيا، التي لطالما شكّل أمنها القومي محركاً رئيسياً لتدخلها في سوريا، تبدو اليوم عازمة على ترسيخ وجود عسكري طويل الأمد يتجاوز الأطر التقليدية، ويُترجم إلى نفوذ سياسي وأمني في مرحلة ما بعد الحرب. وبدلاً من الاكتفاء بمناطق النفوذ شمالاً، تحاول أنقرة مدّ نفوذها باتجاه العمق الشرقي، متكئةً على تفاهمات متزايدة مع الحكومة السورية الجديدة، ومغازلة لموسكو صاحبة اليد الطولى في القرار السوري.
إسرائيل: شبح قواعد متقدمة يلوح في الأفق
تراقب إسرائيل هذه التطورات بقلق بالغ، خشية أن تؤدي التحركات التركية إلى تقليص هامش المناورة الذي كانت تتمتع به طائراتها في الأجواء السورية. فقد اعتمدت تل أبيب خلال السنوات الأخيرة على غياب الدفاعات الجوية القادرة على تحييد طيرانها، لتكثف ضرباتها ضد مواقع إيرانية ومخازن أسلحة ومراكز قيادة تابعة لحلفاء دمشق.
لكن احتمال نشر منظومات دفاع جوي تركية، مثل “حصار” محلية الصنع أو حتى “S-400” الروسية، يضع تل أبيب أمام معادلة جديدة، تُهدد بتقويض تفوقها الجوي وتقليص قدرتها على التحرك بحرية.
ومع تنامي المؤشرات حول تحويل قاعدة T4 إلى مركز تشغيل للطائرات المسيّرة التركية، بدأت إسرائيل شنّ ضربات استباقية على القاعدة نفسها، في محاولة لمنع اكتمال أي تموضع تركي دائم أو منظومات رادارية متقدمة قد ترصد التحركات الإسرائيلية بدقة.
واشنطن بين المطرقة التركية والسندان الكردي
الولايات المتحدة، من جهتها، تجد نفسها في موقف معقّد. فتركيا حليف في الناتو، لكنها خصم فعلي في ملفات حساسة، أبرزها العلاقة مع “قوات سوريا الديمقراطية“، الشريك المحلي الأهم لواشنطن في محاربة تنظيم “داعش“. وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن الحفاظ على توازن بين دعمها لقسد واحتواء التمدد الإيراني، تظهر تركيا كلاعب ثالث يهدد بتعقيد الحسابات الأميركية.
وتأتي الخشية الأكبر من أن يؤدي نشر منظومة “S-400” داخل سوريا إلى تداخل سلبي مع عمليات التحالف الدولي، ويعيد إلى الواجهة أزمة F-35 التي اندلعت عام 2019، حين طُردت أنقرة من البرنامج بسبب شرائها لتلك المنظومة من موسكو.
القلق الأميركي اليوم يتمثل في إمكانية أن تتسبب الرادارات الروسية، أو حتى التركية، في كشف تحركات الطائرات الأميركية، وهو أمر ترفضه واشنطن بالمطلق. أي خلل في حرية عملياتها الجوية فوق سوريا قد يُفسَّر كتهديد مباشر لمهامها ضد بقايا “داعش”.
تركيا.. نحو إعادة رسم معادلة الصحراء السورية
ما تسعى إليه أنقرة يبدو أكبر من مجرد قواعد عسكرية؛ إنها تحاول خلق توازن جديد يربط بين الحضور الجوي والبري، والسيطرة على الممرات الاستراتيجية في قلب البادية السورية. فقواعد مثل T4 لا توفر فقط مجالاً جويًا واسعًا، بل تمنح أنقرة قدرة على مراقبة النشاطات الإسرائيلية شرقاً، وحركات قسد وأميركا شمالاً.
وتزامناً مع هذه التحركات، تعمل أنقرة على توطين صناعتها الدفاعية، واستخدام سوريا كساحة اختبار للمنظومات الجديدة، مثل “حصار”، وطائرات “بيرقدار أكنجي”، القادرة على تنفيذ مهام استخباراتية وقتالية في وقت واحد.
وبذلك، فإن الخريطة العسكرية لا تشهد مجرد تمركزات جديدة، بل إعادة بناء عسكري تركي داخل الأراضي السورية، في ظل غياب ردّ فعل حاسم من دمشق، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول حجم التنسيق بين الجانبين.
صدام ثلاثي.. هل هو وشيك؟
في ظل هذا التداخل، تصبح سوريا ساحة مواجهة مفتوحة بين ثلاث قوى تتقاطع مصالحها وتتناقض أحياناً. فإسرائيل، التي ترى في أي تحرك عسكري غير خاضع لها تهديداً مباشراً، لن تسمح بتغيير قواعد الاشتباك. وواشنطن، التي تسعى لإبقاء التوتر تحت السيطرة، قد تجد نفسها أمام مواجهة مع حليفتها في الناتو، إن مضت أنقرة قُدماً في مشروعها دون تنسيق.
أما تركيا، فتحاول اللعب على حبال متعددة: علاقة وثيقة بموسكو، تقارب حذر مع دمشق، وموقف تحدٍّ تجاه واشنطن وتل أبيب، لكنها قد تدفع ثمن هذا الطموح إذا تحوّلت سوريا إلى ميدان صراع مباشر لا يحتمل المناورة.
في الختام…
يبدو أن سوريا تدخل فصلاً جديداً من فصول النزاع، فبدلاً من الانقسام التقليدي بين النظام والمعارضة، نحن أمام خرائط نفوذ تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتعيد رسم موازين القوى على الأرض وفي السماء.
الوجود التركي في العمق السوري قد يفرض واقعاً جديداً، لكنه في المقابل، قد يفجّر مواجهة غير محسوبة العواقب مع إسرائيل والولايات المتحدة. وفي ظل غياب أي تسوية شاملة، تبدو الأيام القادمة حاسمة في تحديد إن كانت سوريا ستبقى ساحة صراع بالوكالة… أم ساحة صدام مباشر بين القوى الكبرى.